اللجوء إلى خندق السطور

اللجوء إلى خندق السطور

اللجوء إلى خندق السطور

 السعودية اليوم -

اللجوء إلى خندق السطور

عبد الرحمن شلقم
بقلم - عبد الرحمن شلقم

قال مارشال ماكلوهان الكندي، أستاذ علم الاتصال الجماهيري، إن الوسيلة الإعلامية أهم من الرسالة التي تبثها أو تكتبها. تنبأ مبكراً بما هو آتٍ في الزمن القادم. الوسيلة الإعلامية ستكون لها سيطرة غير مسبوقة على مسارات التفكير الفردي والجماعي. نحن نعيش اليوم في خضم فضاءات نراها ونسمعها. القنوات الفضائية بلغات مختلفة. مذيعون ومراسلون ينقلون لنا مشاهد الصراع العنيف، من أبعد البقاع وأقربها. صرنا شركاء بالمشاعر والانفعالات، مع كل ما يحدث في هذه الدنيا الرحبة. قبل اختراع المطبعة، كانت الجموع شبه بكماء أو عمياء. في عام 1440 اخترع الألماني يوهان غوتنبرغ المطبعة. انتشرت طباعة الكتب في غمرة انتشار الفلسفة، بعد تراجع هيمنة الكنيسة، على ملكة التفكير في العالم المسيحي. انطلق التعليم المدرسي والجامعي، ونشطت حركة الترجمة في أوروبا، وبدأت حقبة عقل جديد. عندما ثار مارتن لوثر على سطوة الكنيسة الكاثوليكية في روما، امتطى هبة العقل المخترع، ليصل عبر المطبعة إلى الفقراء المسيحيين، الذين كانت الكنيسة تشتري جهلهم، بصكوك تغفر لهم ذنوباً وهمية، تمسح لهم خطايا عوزهم الخرافية. اختراع المطبعة كان الثورة العلمية التي بنت جسر الحرية والتقدم في أوروبا. في الزمن ذاته الذي فيه انطلق العقل الأوروبي بقوة الفلسفة التي تحررت من قبضة الكهنوت الأرثوذوكسي. وحدتها سطور المطبعة.

في خريطة جغرافيتنا الفكرية والعقلية، في العصر العثماني، تسيد الجهل المقدس. حُرِّمت البدعة المطبعة واعتبرتها السلطنة العثمانية مؤامرة صليبية مسيحية هدفها تزوير وتغيير مخطوطاتنا المقدسة. بعد قرون كانت القارة الأوروبية تقفز بقوة العقل والفلسفة والعلم نحو زمن جديد، استمرأ المسلمون، تحت هيمنة الدولة العثمانية، لذة التخلف وروعة الظلام. في عام 1727 أعطى السلطان العثماني الإذن لليهود والمسيحيين في الإمبراطورية العثمانية باستخدام المطبعة. للتخلف لذة تحتاج إلى أفواه تبدع ألسنتها، وتغني وترقص لها. في طوفان الحرب العالمية الأولى، حركت الإمبراطورية البريطانية قواتها الجديدة التي تحركها آلات العقل. جمع السلطان العثماني رجال الدين، ومجموعة المبعوثين، وقال لهم لا بد أن نضع فوق كل مركب حربي مجموعة من الفقهاء، تقرأ كتاب «صحيح البخاري». قال له عضو مجلس المبعوثين العراقي، المفكر معروف الرصافي: يا مولاي، المراكب المقاتلة تتحرك بالبخار وليس بالبخاري، نهره السلطان غاضباً. آنذاك كان الزمن يفتح فمه ليقول وصايا النهوض وتلوح في عينيه زرقاء يمامة الزمن القادم. وعاظ السلاطين الذين أبدع الأستاذ والمفكر العراقي علي الوردي تفكيك ما خبا في حلقات رؤوسهم، وانتفاخ جيوبهم. علي الوردي كان طوفانَ فكر في زمن رهين. سامته أغلال الديكتاتورية الدموية.

أعود إلى الوسيلة والرسالة. الراديو كان الوسيلة الأسطورية الأخطر. لنتصور نحن أمة العرب أن الرئيس المصري جمال عبد الناصر اعتلى سدة الحكم عام 1919، قبل انتشار جهاز الراديو في مصر وبعض البلاد العربية، من كان سيسمعه وهل ستصفق له الملايين من المحيط إلى الخليج. الراديو كان الوسيلة التي صعقت الرؤوس العربية، التي خبت في ظلام الأمية. أمم تاهت في حقب غشتها الأمية. منذ صاعقة التاريخ الحارقة، قيام الكيان الصهيوني فوق أرض عربية مقدسة في فلسطين، عام 1948، صارت الأرض غير الأرض والناس غير الناس. اشتعلت حروب مع الكيان الصهيوني وكان الانكسار فيها مرافقاً للعرب، لكن الصراع لم يتوقف، وكان الإعلام هو الحادي القوي الدائم، الذي يغذي وعي الشعوب العربية بالقضية الفلسطينية.

بعد الاختراع الكبير المطبعة، جاء اختراع الراديو، الجهاز الأسطوري الذي حمل الصوت إلى كل القارات. في البلاد العربية حيث كانت الأمية الداء المتمكن فيها، انشدت الجماهير إلى الصندوق السحري الناطق، وصار أداة التواصل الثقافي والسياسي والفني. استعمله المثقفون والسياسيون ورجال الدين وسيلة للسيطرة ووسيلة قوية في الصراع الفكري والسياسي. صار الراديو سلاحاً فاعلاً في التأثير على العوام. في خضم الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، برز اسم الكاهن تشارلز كافلين في ثلاثينات القرن الماضي. شن هجوماً على الشيوعية، التي اعتبرها الخطر الأكبر على الدين المسيحي والقيم الاجتماعية، جذب الملايين من الناس، حتى سُمي بكاهن الراديو. الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر اعتلى سدة الحكم في مصر، في مطلع خمسينات القرن الماضي. اتخذ من الراديو صوتاً عابراً للحدود، فتعلق به ملايين العرب من الخليج إلى المحيط. امتلك عبر هذه الوسيلة سلطة سياسية ومعنوية، بين عامة الناس الذين يعيشون على الاستماع، بسبب تفشي الأمية. لو أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر اعتلى الحكم، قبل انتشار الراديو، من كان سيعرفه في البلاد العربية، بل حتى في مصر ذاتها؟

اليوم يعيش العالم بكل مشاعره مشاهد الحرب التي تشنها إسرائيل وأميركا على إيران، بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وتضرب العمارات السكنية والمدارس والمخازن، ويُقتل فيها المدنيون، وتقوم إيران بضرب المكونات المدنية، تعج القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي بالمراسلين والمعلقين. القتلى والدماء والدمار تزفها «الوسائل الإعلامية» إلى الدنيا. الخلاص من طوفان الدم والقتل والدمار، الذي تمطرنا به وسائل الإعلام المختلفة، هو اللجوء إلى السطور قراءة وكتابة. فهما خندق الضمير، وصوت من لا سوط متفجر له.

arabstoday

GMT 08:12 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

النصف كاملاً

GMT 08:10 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قناة «Ten» وأغنية «آه يا قلبي»

GMT 08:07 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية حريصة على دماء الأشقاء اليمنيين

GMT 07:59 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

إسرائيل والاستبعاد على أساس الهوية

GMT 07:55 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان المبدع فاروق حسني

GMT 07:53 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

«زوزو» في الأصل بهيرة

GMT 07:51 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تقرير الانتخابات الأمريكية

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

انفصال الشارع (2)

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اللجوء إلى خندق السطور اللجوء إلى خندق السطور



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 01:34 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إطلالة خاطفة لشيرين عبد الوهاب تشعل مواقع التواصل
 السعودية اليوم - إطلالة خاطفة لشيرين عبد الوهاب تشعل مواقع التواصل

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قاليباف يحذر من التصعيد ويؤكد أن قرار تجنب الحرب بيد واشنطن
 السعودية اليوم - قاليباف يحذر من التصعيد ويؤكد أن قرار تجنب الحرب بيد واشنطن

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon