«المفوضية السامية» والتوطين الناعم في ليبيا

«المفوضية السامية» والتوطين الناعم في ليبيا

«المفوضية السامية» والتوطين الناعم في ليبيا

 السعودية اليوم -

«المفوضية السامية» والتوطين الناعم في ليبيا

جبريل العبيدي
بقلم : جبريل العبيدي

قضية توطين المهاجرين تتجاوز بكثير السجال الدائر داخل المجتمع المدني في ليبيا، وتتأرجح بين مصدق ومكذب، خصوصاً بعد الكشف عن أوراق تسجيل وتوثيق للمهاجرين، وإصدار بطاقات تَجوُّل، وأخرى بنكية تُستخدم للشراء والتداول، من جانب بعض المنظمات الدولية التي لم تحترم السيادة الليبية، كما مارست نشاطات خارج دورها الإنساني... ورغم محاولاتها النفي، فإن بعض إجراءات هذه المنظمات تؤكد شبهات التوطين الناعم من دون أدنى شك.

السياسات الأوروبية الخاطئة، والانقسام الليبي الداخلي، قد يحوّلان البلاد موطناً بديلاً للاجئين.

وتُتهم «المفوضية السامية للاجئين» بتجاوزها حدود السيادة الوطنية الليبية، حيث منحت بطاقات تعريف وأخرى بنكية للمهاجرين؛ الأمر الذي عدّ بعض المراقبين أنه يعكس حالة من حالات التوطين بالكفالة والاحتواء، ويقع ذلك رغم نفي «المفوضية» حدوث أي إجراءات للتوطين.

والشارع الليبي لا يثق بالحكومة المنتهية الولاية؛ لأنها قد توظف التوطين سياسياً، وقد تقبل به لكسب النقاط ضد خصومها. لكن يبقى السؤال: من الصادق في مصير هؤلاء اللاجئين؛ المفوضية أم الحكومة، خصوصاً أن حالات النزوح التابعة لـ«المنظمة»، بلغ عددها في ليبيا خلال يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2026 نحو 936 ألفاً و134 مهاجراً، ينتمون إلى 47 جنسية مختلفة؟ كل ذلك يحدث رغم أن القانون الليبي رقم «24» لسنة 2023 بشأن مكافحة توطين الأجانب في ليبيا، واضحٌ وصريح في تجريم التوطين ومَن يشارك أو يسهّل إجراءات تنتهي بالتوطين، فالقانون لم يكن يستهدف فقط مكافحة المخالفات الفردية المتعلقة بوجود الأجانب كـ«تهريب» المهاجرين لترحيلهم إلى خارج البلاد، وإنما أيضاً مواجهة ما عدّها مخاطر ذات طابع ديموغرافي وسيادي قد تترتب على تَحوّل ليبيا من «دولة عبور» إلى «دولة استقرار دائم» لهؤلاء المهاجرين.

فالقانون الليبي يجرم الأفعال التي تسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في التوطين، ويجرم كل فعل يؤدي إلى إدخال الأجانب ليبيا بقصد البقاء فيها واتخاذها موطناً دائماً لهم، كما عُدّت من قبيل التوطين إعادةُ الأجانب إلى ليبيا بعد خروجهم من الأراضي الليبية، فالقانون يؤسس لمنع الاستقرار الدائم للأجانب خارج الأطر القانونية التي تقررها الدولة.

فمفهوم التوطين عند «المفوضية السامية» هو إبقاء المهاجرين واللاجئين بمختلف تصنيفاتهم في «دولة العبور» ومنحهم وضعاً قانونياً يسمح لهم بالبقاء، كما فعلت «المفوضية السامية» التي أعطت للمهاجرين بطاقات مصرفية وبطاقات إدارية للتعريف؛ مما يمنحهم وضعاً قانونياً بالمخالفة للتشريعات الليبية؛ التي أصدرها البرلمان، وذلك بدلاً من السماح لهم بالعبور إلى دول أخرى أو إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية. وهذا الوضع يضر بالحالة الليبية ويحولها ضحيةً لحساب الدول الأوروبية، خصوصاً إيطاليا وفرنسا وألمانيا التي ترفض المشاركة الفعالة في أي حل مستدام وليس مؤقتاً سرعان ما ينهار.

مساحة ليبيا الشاسعة، وقربها من الشواطئ الأوروبية، يجعلانها محطة مهمة للمهاجرين؛ سواء للعبور؛ وللتوطين إذا فشلت رحلة الأحلام إلى أوروبا، بينما الدول الأوروبية؛ الوجهة المبتغاة للمهاجرين، لا تبذل أي جهد يذكر سوى أنها تحاول تصدير أزمة الهجرة إلى ليبيا من دون تقديم حلول حقيقية، وتطلب من ليبيا أن تكون حارس حدود لشواطئها.

وكذلك موقف دول المَصدَر (الموطن الأصلي للمهاجرين) التي غالبيتها تعاني أزمات سكانية واقتصادية تجعل من هجرة سكانها متنفساً لها من أعباء لا تستطيع القيام بها. وبعضهم يرى في ليبيا؛ الدولة الغنية بالنفط والمساحة الشاسعة ولديها ندرة في السكان، مكاناً مناسباً لتوطين هؤلاء، بينما المجتمع الليبي المتجانس عرقياً ودينياً يرفض محاولات العبث بهذه الديموغرافيا المتجانسة منذ آلاف السنين.

الوضع السياسي المنقسم، والحالة الأمنية غير المستقرة في غرب ليبيا خصوصاً، يجعلان ليبيا غير قادرة على تحمل أعباء المهاجرين على حساب أمنها المجتمعي والسياسي، وإمكانية استخدامهم في أي صراع مسلح غرب البلاد من قبل الميليشيات المنتشرة في طرابلس وما جاورها.

الليبيون بجميع تركيباتهم القبلية، وحتى منظمات المجتمع المدني، ينظرون إلى توطين المهاجرين في بلادهم على أنه احتلال، ويشكل تهديداً حقيقياً للأمن الوطني قد يؤدي إلى انتشار الجريمة المنظمة، وزيادة التدخلات الخارجية، وتدمير النسيج الاجتماعي، ناهيك باستنزاف الموارد البشرية من المياه والغذاء والخدمات الصحية، وبانتشار الأمراض التي لم يسبق أن كانت مستوطِنة في البيئة الليبية، وتسبب في انتشارها «تسونامي المهاجرين».

المعالجة الحقيقية لأزمة المهاجرين تكمن في تحسين الظروف المعيشية؛ من الفقر والجوع والمرض والحروب، التي أجبرتهم على الهجرة في بلدانهم الأصلية. ولذلك؛ تُعدّ أساسيةً مشاركةُ «الاتحاد الأوروبي»؛ الغني بقدراته المالية والتنموية، في تنمية دول المهاجرين الأصلية، وتنظيم العمالة، ودعم برامج العودة الطوعية، بدلاً من فرض التوطين على بلدان مثل ليبيا؛ هي ضحية للهجرة وليست سبباً فيها، فليبيا لا تتحمل مسؤولية هؤلاء المتسللين إلى أراضيها؛ لأنهم دخلوا أراضيها من دون علم أو أذن السلطات حتى يكتسبوا حق التمتع بالحماية والوطن البديل في ليبيا.

ليبيا حتماً لن تصبح الموطن البديل مهما كانت حملات التوطين ناعمة أو حتى صلبة.

 

arabstoday

GMT 07:05 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

لا نهاية للأسئلة الأمريكية

GMT 07:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب المأزوم المهزوم

GMT 07:03 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الموسيقار خالد الأمير غرق في قارورة العسل!!

GMT 07:02 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

بالنقاط

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هل يتواضع الديمقراطيون عند النصر؟

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

القوة الناعمة والجاذبية المتضائلة

GMT 06:58 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

أميركا... البندول يتأرجح

GMT 06:57 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

إجبارية التقدم والفرص المتاحة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«المفوضية السامية» والتوطين الناعم في ليبيا «المفوضية السامية» والتوطين الناعم في ليبيا



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف

GMT 06:16 2012 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مستمرة بالتقدم رغم صعوبة كفاح السينما العربية

GMT 22:43 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2017

GMT 13:51 2017 الإثنين ,17 تموز / يوليو

فشل الارهاب و سقوط الاقنعة

GMT 17:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

فوائد زيت النعناع الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon