العصاب الديني الجماعي وهستيريا اليقين

العصاب الديني الجماعي وهستيريا اليقين

العصاب الديني الجماعي وهستيريا اليقين

 السعودية اليوم -

العصاب الديني الجماعي وهستيريا اليقين

خالد منتصر
بقلم : خالد منتصر

أحياناً وأنا أتابع مظاهر التنطع باسم الدين، ومحاولة البلطجة واستعراض العضلات بالطقوس، أحس أننا فى حفلة زار باتساع حدود الوطن، الدين عندنا لم يعد الضمير، لكنه صار شو فى حفل تنكرى!، أستطيع تشخيص هذا المرض تحت اسم «العصاب الدينى الجماعى»، وهو ليس تشخيصًا طبيًا معتمدًا، ولا يعنى أن التدين مرض نفسى؛

فالدين كان ولا يزال بالنسبة لملايين البشر مصدرًا للمعنى والسكينة والتضامن، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول المقدس من مساحة للطمأنينة والتساؤل الأخلاقى إلى ماكينة ضخمة لإنتاج الخوف والذنب واليقين المطلق، فالخائف يريد إجابة مطمئنة حتى ولو وهم، أكثر مما يريد حقيقة صادمة حتى ولو ملموسة، حين يضرب الزلزال مدينة، يستطيع العلم أن يحدثك عن الصفائح التكتونية، لكن العقل المذعور يريد شخصًا مذنبًا، ننسب إليه العقاب، وحين ينتشر الوباء، يشرح الطبيب الفيروس والمناعة والعدوى،

بينما يبحث البعض عن خطيئة تفسر الكارثة، وحين تنهزم أمة، تصبح دراسة الأسباب الاقتصادية والسياسية والتعليمية، أصعب بكثير من جملة مريحة تقول: لقد حدث ذلك لأن السماء غاضبة منا، العالم يا سادة مرعب لأنه لا يقدم ضمانات، قد يمرض الصالح وينجو الشرير، وقد يموت الطفل بينما يعيش العجوز، وقد تهزم المصادفة أكثر خطط البشر إحكامًا، تحمل هذا القدر من عدم اليقين يحتاج إلى نضج نفسى كبير، لذلك يصبح اليقين المطلق مخدرًا فعالًا، كل شىء له تفسير، وكل مصيبة لها مذنب، وكل سؤال له جواب جاهز، وقد لمح فرويد إلى وظيفة نفسية كهذه عندما رأى أن الإنسان قد يبحث فى الدين عن صورة الأب الحامى فى مواجهة كون لا يبالى بمخاوفه،

ويمكن الاعتراض على اختزال فرويد للدين، وقد فعل ذلك كثيرون، لكن سؤاله النفسى يظل مشروعًا، كم من معتقداتنا نختارها لأنها صحيحة، وكم منها نتمسك به لأنها تجعلنا أقل خوفًا؟، ثم يأتى الخوف من الحرية، شرح إريك فروم، الفيلسوف وعالم النفس الشهير، أن الإنسان لا يهرب دائمًا من السجن؛ أحيانًا يهرب من الحرية نفسها، فالحرية تعنى الاختيار، والاختيار يعنى المسؤولية، والمسؤولية تعنى احتمال الخطأ، أما السلطة المطلقة فتعرض صفقة مريحة، لا تسأل، نحن سنجيب بدلاً منك، لا تختَر، نحن سنختار، لا تشك، فالشك خطر،

ومن هنا يبدأ طبخ وتصنيع العقل المطيع، لا يحتاج المجتمع المغلق الرجعى إلى سجن كل مواطنيه، إذا نجح فى زرع السجّان داخل رؤوسهم، يكفى أن يصبح السؤال عيبًا، والشك ضعفًا، والنقد خيانة، والاختلاف سقوطًا أخلاقيًا، عندها يمارس الإنسان الرقابة على نفسه بنفسه، وربما يخاف من فكرة لم ينطق بها أكثر مما يخاف من فعل ارتكبه، ومع وسائل التواصل الاجتماعى أصبح الخوف أسرع من أى وقت مضى، واعظ يطلق نبوءة، وصفحة تنشر شائعة، وشخص يربط كارثة طبيعية بسلوك اجتماعى، ثم يعيد الآلاف نشر الرسالة نفسها، وبعد آلاف المشاركات يحدث التحول الخطير، التكرار يرتدى قناع الحقيقة، وهنا تظهر قوة الجماعة.

فالإنسان يخشى النبذ أكثر مما يتصور، فإذا كان ثمن السؤال أن تخسر محيطك الاجتماعى، يصبح الصمت أكثر أمانًا، وكل شخص يظن أن الآخرين أكثر يقينًا منه، بينما قد يكون الآخرون أنفسهم يخفون شكوكهم للسبب ذاته، وهكذا يمكن لمجتمع كامل أن يصنع جدارًا من اليقين، وكل حجر فيه إنسان خائف، وفى الحالات الأكثر تطرفًا يتحول الضمير نفسه إلى غرفة تعذيب، هل كانت نيتى نقية؟، هل قلت العبارة بطريقة صحيحة؟، هل الفكرة العابرة التى مرت بعقلى خطيئة؟ هل هذه المصيبة عقاب لى؟، وهنا قد نغادر مساحة التدين الطبيعى إلى ما يعرفه الطب النفسى باسم الوسواس الدينى، وهو أحد الأشكال التى يمكن أن يظهر بها اضطراب الوسواس القهرى، لكن المفارقة أن الإيمان الناضج قد يقف على الجانب الآخر تمامًا، فالإيمان الذى يحتمل السؤال أقوى من الإيمان الذى يخافه، والتدين الذى يمنح صاحبه الرحمة والسكينة يختلف جذريًا عن تدين يبقى جهازه العصبى فى حالة إنذار دائم، وفزع مزمن، فالشك ليس دائمًا عدوًا للحقيقة، أحيانًا يكون الطريق الوحيد إليها، العلم تقدم لأنه قال: ربما نكون مخطئين، والفلسفة بدأت لأن إنسانًا امتلك الجرأة ليسأل: لماذا؟، والحضارة نضجت عندما أصبح من الممكن الاعتراض دون أن يصبح جريمة، الخطر إذن ليس فى أن يؤمن الإنسان، بل فى أن يتصور أنه امتلك الحقيقة كاملة،

عندها لا يعود اليقين إجابة تهزم الخوف، بل يصبح الخوف حارسًا لليقين، وأخطر مجتمع ليس المجتمع الذى كثرت فيه الأسئلة، بل المجتمع الذى ماتت فيه الأسئلة لأن الجميع أصبحوا يحفظون الإجابة.

 

arabstoday

GMT 08:12 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

النصف كاملاً

GMT 08:10 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قناة «Ten» وأغنية «آه يا قلبي»

GMT 08:07 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية حريصة على دماء الأشقاء اليمنيين

GMT 07:59 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

إسرائيل والاستبعاد على أساس الهوية

GMT 07:55 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان المبدع فاروق حسني

GMT 07:53 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

«زوزو» في الأصل بهيرة

GMT 07:51 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تقرير الانتخابات الأمريكية

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

انفصال الشارع (2)

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العصاب الديني الجماعي وهستيريا اليقين العصاب الديني الجماعي وهستيريا اليقين



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قاليباف يحذر من التصعيد ويؤكد أن قرار تجنب الحرب بيد واشنطن
 السعودية اليوم - قاليباف يحذر من التصعيد ويؤكد أن قرار تجنب الحرب بيد واشنطن

GMT 14:12 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

ميلانيا ترامب تستضيف لقاءً روسيًا أوكرانيًا في البيت الأبيض
 السعودية اليوم - ميلانيا ترامب تستضيف لقاءً روسيًا أوكرانيًا في البيت الأبيض

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon