الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية

الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية

الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية

 السعودية اليوم -

الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية

مأمون فندي
بقلم - مأمون فندي

سمع العرب بالمكارثية، ولم يسمعوا تقريباً بماكارثر. عرفوا المكارثية بوصفها زمن خوف ومحاكم تفتيش طالت الجامعات، وتخويناً واسعاً للمثقفين في ذروة الحرب الباردة. والمكارثية، كما هو معلوم، تُنسب إلى السيناتور جوزيف مكارثي الذي قاد تلك الحملة. في المقابل، لم تحظَ مؤسسة «ماكارثر» بالمعرفة نفسها في الوعي العربي، رغم أنها تقف على النقيض التام من منطق المكارثية، وتمنح ما يُعرف عالمياً بـ«منحة العبقرية» القائمة على الثقة، وحماية الإبداع، واحترام استقلال العقل.

الفارق بين الاسمين ليس لغوياً فحسب، بل حضاري ومعرفي. ولتوضيح هذا الفارق، أبدأ بحكاية شخصية أرويها بحذر، ووفق القواعد الأخلاقية للأمانة العلمية. في عام 2000، حين كنت أعمل أستاذاً في جامعة جورجتاون بواشنطن، وصلني خطاب مقتضب وغامض يُفيد بانضمامي إلى «شبكة الترشيحات» التابعة لمؤسسة «ماكارثر». هي شبكة سرّية لرصد المواهب الفكرية العابرة للتخصصات. لا يحق لعضو الشبكة ترشيح نفسه، ولا يعرف بقية الأعضاء، ولا من سيُرشَّح أو لماذا. كل ما طُلب مني هو كتابة تقييمات فكرية لمسارات بعض المبدعين، تُرسل مباشرة إلى مقر المؤسسة. حتى اليوم، وبعد نحو ربع قرن، لا أعرف لماذا اختير اسمي، ولا كيف تُدار المنحة في تفاصيلها الدقيقة. لكنني فهمت منذ اللحظة الأولى أنني أمام منطق مختلف في النظر إلى المعرفة ودورها في المجتمع.

تبلغ قيمة منحة ماكارثر نحو 800 ألف دولار أميركي، تُصرف على خمس سنوات، من دون شروط إنفاق، ومن دون تقارير مرحلية، ومن دون أهداف قابلة للقياس. الشرط الوحيد هو أن يواصل الحاصل على المنحة ما كان يفعله قبلها. لا مشروع جديداً مفروض، ولا خطابَ مُعدّلاً، ولا استجابة لإملاءات ممول. فقط استمر في مسارك. وهذه في حد ذاتها ثورة صامتة على ثقافة التمويل السائدة، التي تختزل المعرفة في مؤشرات أداء وعوائد سريعة.

«ماكارثر» منحة غير تقليدية بكل المقاييس: لا استمارات، لا مقابلات، لا ملفات إنجاز، ولا سباق سِيَر ذاتية. الباحث أو الفنان لا يتقدم إليها أصلاً، بل تُراقَب مسيرته لسنوات من دون علمه، ثم يُرشَّح إن رأتِ المؤسسة في مساره قيمة طويلة الأمد. هنا لا تُكافَأ النتيجة الجاهزة، بل طريقة التفكير، والقدرة على الربط بين الحقول المعرفية، والجرأة على العمل في المناطق الرمادية بين التخصصات، والاستقلال عن إملاءات السوق والسلطة معاً.

من هنا يبرز السؤال الطبيعي: لماذا لا نملك «ماكارثر» عربية؟

الإجابة لا تتعلق بندرة المال ولا بندرة العقول، بل بغياب البيئة المؤسسية. «ماكارثر» تفترض جامعة مستقلة، ومجالاً عاماً يحمي الاختلاف. في المقابل، تُختزل جامعاتنا غالباً في خطاب «سوق العمل»، وتُدان إن لم تُخرِّج «موظفين جاهزين»، مع أن هذه ليست وظيفة الجامعة الأولى، بل وظيفة المعاهد المهنية.

الجامعة البحثية لم تُنشأ لتكون مكتب توظيف، بل لإنتاج الأسئلة الجديدة. من يخلط بين الجامعات البحثية الكبرى وجامعات السوق والدراسات التطبيقية يتجاهل حقيقة أساسية: السوق تتغير أسرع من أي منهج، بينما يظل التفكير الخلّاق هو الاستثمار الوحيد طويل الأمد. «ماكارثر» تفهم ذلك، ولذلك تفصل بوضوح بين التفكير والتشغيل، بين العقل والآلة.

المفارقة أن كثيرين ممن يرفعون شعار «العقلانية» و«قيم السوق» يتبنّون عملياً منطقاً مكارثياً صريحاً: تخوين المثقف، شيطنة النقد، وتحميل الأفكار مسؤولية فشل السياسات. هكذا تُبرَّأ الإدارة من سوء الإدارة، وتُعفى السوق من اختلالات التوزيع، ويُلقى العبء كله على المثقف.

تاريخ العلوم يخبرنا عن المجتمعات التي قدمت فسحة من النقد لجامعاتها، بل تركتها تطرح الأسئلة غير المريحة، ولم تطلب من الباحث أن يُثبت جدواه فوراً في سوق العمل، بل صدق تفكيره على المدى الطويل. في هذا المعنى، ليست «ماكارثر» جائزة أميركية، بل درس عالمي في إدارة المعرفة.

وأخيراً، لا بد من التمييز: مؤسسة «ماكارثر» ليست ضد السوق، لكنها ترفض أن تكون السوق الحاكم الوحيد. كما ترفض مصادرة المعرفة. هناك فرق جوهري بين المكارثية التي تطارد الأفكار، و«ماكارثر» التي تحميها. في عالمنا العربي، اخترنا الأولى، وربما آن الأوان لإعادة النظر، لا لأن النموذج أميركي، بل لأن أي مجتمع يريد مستقبلاً واعداً يحتاج، قبل كل شيء، إلى عقول حرة تعمل في جامعات مستقلة، وتنظر إلى تراكم المعرفة بوصفه أساس النهضة، لا إلى آليات السوق وحدها.

arabstoday

GMT 09:32 2026 الإثنين ,23 شباط / فبراير

الاجتماع الأول

GMT 09:30 2026 الإثنين ,23 شباط / فبراير

مدونة الوقت

GMT 09:27 2026 الإثنين ,23 شباط / فبراير

الحزب والعاصفة و«البيت اللبناني»

GMT 09:23 2026 الإثنين ,23 شباط / فبراير

موضع وموضوع: التنف... تنهيدة البادية

GMT 09:14 2026 الإثنين ,23 شباط / فبراير

هاكابي وتهافت السرديات الإسرائيلية التاريخية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية الفرق بين «ماكارثر» والمكارثية



نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان - السعودية اليوم

GMT 05:08 2018 الإثنين ,19 شباط / فبراير

الإعصار جيتا يصل إلى نيوزيلندا الثلاثاء

GMT 04:15 2016 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

ميشيل أوباما السيدة التي أثارت إعجاب العالم

GMT 12:01 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

كيا تعدل Rio الشهيرة وتغير معالمها

GMT 11:19 2018 الثلاثاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

الاحتلال الإسرائيلي يعتقل 8 مقدسيين من بلدة العيسوية

GMT 13:29 2018 الثلاثاء ,05 حزيران / يونيو

دور الأجهزة الرقابية في وقاية المجتمع من الفساد

GMT 09:04 2018 الثلاثاء ,24 إبريل / نيسان

فواز القرني ينضم إلى معسكر المنتخب السعودي

GMT 18:51 2017 الأربعاء ,25 تشرين الأول / أكتوبر

الرمثا والفيصلي يواصلان التأهب لقمة الدوري الأردني

GMT 07:38 2017 الثلاثاء ,20 حزيران / يونيو

البرقوق يحمي الجهاز الهضمي ويعالج الإمساك

GMT 23:36 2015 الأربعاء ,06 أيار / مايو

رواد تويتر يسخرون “ارقد في سلام يا بواتينغ”

GMT 18:47 2016 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

غادة عادل محامية لأول مرة في دراما رمضان 2016

GMT 06:34 2015 الثلاثاء ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

حامد البلوي يؤكد أن الحكم الهولندي لم يكن جيدًا في الديربي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon