لبنان حين تقيم النهايات المحتملة في البدايات الواثقة

لبنان: حين تقيم النهايات المحتملة في البدايات الواثقة

لبنان: حين تقيم النهايات المحتملة في البدايات الواثقة

 السعودية اليوم -

لبنان حين تقيم النهايات المحتملة في البدايات الواثقة

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

عندما يضرب التصدّع عائلة ما، ويغدو طلاقها محتوماً تلازمه المرارات، يلعن الزوج والزوجة لحظة زواجهما «اللعينة». وكما في تلك العائلة، يجهر اليوم لبنانيّون كثيرون، وبصيَغ مختلفة، بلعن تلك اللحظة. ذاك أنّ التباعد، إذ يصير قطيعة، يحضّ على مراجعة الأصول مجذريّاً. وراهناً هناك منهم مَن يقولون إنّ شركاءهم لم يتقيّدوا بشروط التعاقُد وبينها النأي بالنفس عن صراعات المنطقة. ومن يردّون، ولو مداورةً، بأنّ تعاقُداً كهذا لم يحصل أصلاً، وما حصل أنّ عدداً يناهز عدد سكّان متصرّفيّة جبل لبنان ضُمّ، غصباً عنه، إلى «لبنان الكبير» فبات طبيعيّاً، بعدما تغيّرت توازنات العدد والقوّة، أن لا تسري الشروط التي سرت سابقاً.

والصدام بين الجماعات الأهليّة يصعب حسمه باستخدام ثنائيّة الخطأ والصواب البسيطة. ذاك أنّ كلّاً من تلك الجماعات تملك سرديّة تسندها «حقائق» تاريخيّة تمتزج بعواطف ورغبات. لكنّ المسألة الأبعد، المُقيمة تحت كلّ نقاش ولو أنكرها المناقشون، تدور حول المرجعيّة التي ينبغي الاحتكام إليها: أهي الدولة – الأمّة، أم التكوين السياسيّ السابق عليها؟ ففي الحالة الأولى، تكون إرادة المواطنين، ممثّلة بمؤسّساتهم الدستوريّة، مصدر القرار، وفي الحالة الثانية تعود الأولويّة إلى روابط الأخوّة والدين والطائفة والإثنيّة.

على أيّة حال، بات يمكن القول إنّ الحقبة التأسيسيّة للبنان، قبل قرن ونيّف، تتكشّف الآن بوصفها حاملة لبذور نهايات لم يعد إنكارها مجدياً. ولربّما صار ضروريّاً، وقد انشطر البلد على مستوى النفوس، استرجاع بعض تلك الفصول التي قدّمها التأريخ المعمول به على نحو تلفيقيّ، وإن تسبّب حسن نيّة «وطنيّ» بالتلفيق هذا.

ففي الحقبة التأسيسيّة تلك، وكما هو معروف، كان «لبنان الكبير» مشروعاً مسيحيّاً، وإن لم يشمل كلّ المسيحيّين، والانضمام إلى سوريّة في ظلّ فيصل بن الحسين مشروعاً مسلماً، وإن لم يشمل كلّ المسلمين. وبدوره كان نموذج متصرّفيّة الجبل نموذج المسيحيّين، كما لو أنّ «لبنان الكبير» توسيعٌ للمتصرّفيّة يوفّر، عبر سهلي البقاع وعكّار وموانئ الساحل، الشرط الاقتصاديّ الذي يعوز الجبل. لكنّ المتصرّفيّة إيّاها هي التي فُرضت فرضاً على السلطنة العثمانيّة مع الضعف والتردّي اللذين عصفا بها. وكان للاختلاف هذا أن صاغ نفسه، بوضوح وشفافيّة أعلى، في العلاقة بين النشأتين اللبنانيّة والسوريّة. فدولة فيصل في دمشق هي ما أراد دعاة «لبنان الكبير» الانفصال عنه. وإذا كان انتصار الجنرال غورو على يوسف العظمة في ميسلون أصل التأسيس السوريّ الغاضب، فإنّه هو ذاته كان أصل التأسيس اللبنانيّ المطمَئِنّ إلى حماية يوفّرها الانتداب. وبينما مَثُل صادق حمزة ورفاقه، في الرواية التي صارت الرواية اللبنانيّة، قادة «عصابات» أنكرت الوطن والوطنيّة اللبنانيّين وانتهكت قرى الجنوب المسيحيّة، فإنّهم في عموم الرواية العروبيّة رُسموا «أبطالاً» قاوموا الانتداب. وحينما اندلعت «الثورة السوريّة الكبرى» في 1925، وكانت اللحظة الثانية في التأسيس الوطنيّ لسوريّة، تفاوتت مواقف أبناء المتصرّفيّة وأحفادها بين تحفّظ وعداء. هكذا تعرّض لبنان لهجاء رشيد سليم الخوري، «الشاعر القرويّ» الذي كان متحمّساً للعروبة، فتساءل ما إذا كان لبنان هذا «من الصِحاب أم الأعادي؟»، قبل أن يتمنّى لأهله «الموت المُعجّل».

لقد صنع البطرك الحويّك وبضعة مثقّفين مسيحيّين «لبنان الكبير»، لكنْ في المحيط المسلم طغى الاعتراض على عدم استشارته في ذلك، لا سيّما أنَّ المناطق التي أُلحقت بلبنان ترتبط تاريخيّاً بالمدى السوريّ. هكذا لم يحل حضور مفتي بيروت، مصطفى نجا، حفلَ إعلان لبنان الكبير دون رفضه تولّي الإفتاء في هذا اللبنان، والاستغناء عن فرمان عثمانيّ بقرار فرنسيّ. وعُزل مفتي طرابلس وزعيمها عبد الحميد كرامي بحجّة تأييده «الدولة العربيّة» في سوريّة، ثمّ انتُخب رئيساً لـ»مؤتمر أبناء الساحل» المنعقد عام 1928 في دمشق. ومنذ 1920 أصدر أعيان الطائفة الشيعيّة وعلماؤها الدينيّون مواقف مشابهة في وادي الحجير، ثمّ مع طرح الدستور في 1926 قاطع لقاء إسلاميّ في «المقاصد الخيريّة» العمليّةَ برمّتها.

وفي وقت لاحق طرأت تغيّرات على ضفّتي التنازع افتتحها كاظم الصلح في 1936، وبشارة الخوري ورياض الصلح، راعيا الاستقلال، في 1943، ثمّ البطرك المعوشي وحميد فرنجيّة في 1958. لكنّ الأوضاع الاقليميّة، التي شرعت تتدهور مع صعود الناصريّة، صلّبت الانتماءات الأصليّة أكثر كثيراً ممّا أضعفتها وقوّتْ ما قبل الدولة – الأمّة عليها. أمّا الذين راهنوا، بعد حين، على التنمويّة والاصلاحيّة الشهابيّتين، فصفعهم ما حدث بعدما ألمّ الضعف بالشهابيّة، إذ انحاز شطر من اللبنانيّين إلى المقاومة الفلسطينيّة الناشئة، ولاذَ شطر بـ»الحلف الثلاثيّ» المتشدّد مسيحيّاً.

ومثلما أُجبر المسلمون على قبول «لبنان الكبير»، أُجبر المسيحيّون مرّات عدّة على قبول مقاومات مسلّحة تجرّهم إلى نزاعات إقليميّة لا يريدونها، آخرها وأمرّها يجسّدها اليوم «حزب الله»، فكأنّما الإكراه لا بدّ أن يلازم الوحدة، كائناً ما كان مدى عمقها وجدّيّتها.

وهكذا لم يصبح ذاك الماضي ماضياً، فظلّ شبحاً يقضّ مضاجع الحاضر والمستقبل ويعلن أنّ بذور النهاية إنّما أقامت في تلك البدايات.

 

arabstoday

GMT 08:12 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

النصف كاملاً

GMT 08:10 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قناة «Ten» وأغنية «آه يا قلبي»

GMT 08:07 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية حريصة على دماء الأشقاء اليمنيين

GMT 07:59 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

إسرائيل والاستبعاد على أساس الهوية

GMT 07:55 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان المبدع فاروق حسني

GMT 07:53 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

«زوزو» في الأصل بهيرة

GMT 07:51 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تقرير الانتخابات الأمريكية

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

انفصال الشارع (2)

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان حين تقيم النهايات المحتملة في البدايات الواثقة لبنان حين تقيم النهايات المحتملة في البدايات الواثقة



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 00:57 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

العليمي يتهم إيران بتكثيف دعم الحوثيين لتعويض خسائر أذرعها
 السعودية اليوم - العليمي يتهم إيران بتكثيف دعم الحوثيين لتعويض خسائر أذرعها

GMT 01:34 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إطلالة خاطفة لشيرين عبد الوهاب تشعل مواقع التواصل
 السعودية اليوم - إطلالة خاطفة لشيرين عبد الوهاب تشعل مواقع التواصل

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قاليباف يحذر من التصعيد ويؤكد أن قرار تجنب الحرب بيد واشنطن
 السعودية اليوم - قاليباف يحذر من التصعيد ويؤكد أن قرار تجنب الحرب بيد واشنطن

GMT 14:12 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

ميلانيا ترامب تستضيف لقاءً روسيًا أوكرانيًا في البيت الأبيض
 السعودية اليوم - ميلانيا ترامب تستضيف لقاءً روسيًا أوكرانيًا في البيت الأبيض

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon