حرب تغيير الملامح

حرب تغيير الملامح

حرب تغيير الملامح

 السعودية اليوم -

حرب تغيير الملامح

غسان شربل
بقلم : غسان شربل

مشهدانِ قديمانِ يساعدانِ في فهم الحاضر. الأول حينَ أمرَ الخميني بعد انتصار الثورةِ بنزع العلمِ الإسرائيلي عن سفارةِ الدولةِ العبرية في طهران ورفعِ العلم الفلسطيني مكانَه. غيّر ملامحَ علاقةِ بلاده بالموضوع الأصعبِ في الشرق الأوسط. والثاني حينَ شاهدَ العالمُ أميركيين يتحوَّلون رهائنَ في سفارة بلادِهم في طهران. طالت أزمةُ الرهائنِ الأميركيينَ وغيَّرت ملامحَ لغةِ التخاطبِ بين طهران وواشنطن. ولم تكنِ المشاعرُ والتوجهات سراً. الدستور الإيراني نفسُه ينصُّ على تصدير الثورةِ ونصرةِ المستضعفين والهتافات تدعو إلى إزالةِ إسرائيلَ من الوجود وطرد «الشيطان الأكبر» الأميركي من الإقليم.

لم يكن انتصار الثورة الخمينية حدثاً عادياً. ثورةٌ وُلدت من خارج قاموسِ عالم المعسكرين في دولة تمتلك طاقاتٍ جديةً وتقع عند مفترقِ طرق ومضائقَ وثرواتٍ وممرات. وتقول التجاربُ إنَّ الانتصارات الساحقةَ ضد أنظمة من قماشة نظام الشاه تعطي أصحابَها جرعةً غير عادية من الغرور وشراهةِ الطموحات. وهذا ما حصل. وقع المنتصرونَ في فخّ التَّطلع إلى تغيير ملامحِ الشرق الأوسط وبينهم من ذهبَ أبعد.

شعر صدام حسين بالقلق. لم يخفِ الخميني عزمَه على إلحاق «نظام البعث الكافر» بنظام آل بهلوي. خافَ صدام من الوقت، أي أن يضطر إلى مقاتلةِ حلفاءِ إيران في شوارعِ بغدادَ ففضَّل الذهابَ إلى المسرح الأم، أي الأرض الإيرانية. والحقيقة أنَّ الحربَ العراقية - الإيرانية أرجأت عملية تغيير ملامح النظام العراقي إلى القرن الحالي.

لم تدفعِ الحربُ مع العراق إيرانَ الخمينية إلى التنازل عن مشروع تغيير ملامح المنطقة أو دول فيها خصوصاً تلك التي توفّر تركيبتها تسهيلاتٍ مذهبية. على دوي الغزو الإسرائيلي للبنان في 1982 وُلد «حزب الله» برعايةٍ إيرانيةٍ وتسهيلٍ سوري. وثمةَ من يعتقد أنَّ حافظ الأسد الذي أورد أسباباً كثيرة لموقفه لم يغادر رغبةَ الأقلية في تصفية حساباتِها مع الأكثرية السّنية في الإقليم.

مشهدٌ ثالثٌ يساعد على فهم الحاضر. انغمسَ انتحاريٌّ ملقب بـ«أبو زينب» بشاحنةٍ مفخخةٍ في مقر «المارينز» في بيروت. قرَّرت واشنطن سحبَ جنودها المشاركين في القوةِ المتعددة الجنسية إلى البحر تمهيداً للرحيل نهائياً. وقع لبنانُ مجدداً في يد دمشقَ الأسد وطهرانَ الخميني.

وقدَّم الأسدُ الأب هديةً ذهبيةً لـ«حزب الله» وإيرانَ حين شنَّت أجهزته في لبنان، أو سهّلت، حملة اغتيالات ضد «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» لوضعِ جبهة جنوب لبنانَ في يد «حزب الله» وحدَه.

على دوي الاشتباكاتِ مع إسرائيل ترسَّخ حضور «حزب الله» في المعادلة اللبنانية وصولاً إلى إمساك القرار فيها. وفي موازاة ذلك تصاعد النفوذ الإيراني على ضفة المتوسط وازدادَ رسوخاً بعد انتقال سوريا إلى عهدِ الأسد الثاني. في القرن الحالي تسارعت عملياتُ تغيير الملامح في لبنان. انسحبت إسرائيلُ من جنوب لبنانَ بلا مكاسب. واقتلع الجيشُ الأميركيُّ نظام صدام حسين. وجاءَ اغتيال رفيقِ الحريري ليعمّقَ تغييرَ الملامح. نجحت معركةُ تغيير الملامحِ في لبنانَ وكانت حرب 2006 مع إسرائيل من أدوات تعديل التوازن الذي قامَ بعد اغتيال الحريري. بعدها أمسك «حزب الله» بالمفاتيح وصارَ صاحب الكلمةِ الفصل في «تعيين» رؤساء الجمهورية والحكومات.

معركةُ تغيير الملامح كانت كبيرة وحاسمة في العراق. حضرت الفصائل المؤيدة لإيران في مجلسِ الحكم والحكومات وتولَّى الجنرال قاسم سليماني عمليةَ زعزعةِ استقرار النّظام الذي شيَّده الأميركيون بافتقارٍ فادح إلى الخبرة. أدارَ سليماني لعبةَ تفكيك تحالفات وشطب عقبات وزراعة عبوّات عجَّلت بتصديع النّظام الجديد ومضاعفة حضور طهرانَ في قراره. وحين أطلَّ تنظيم «داعش» نجح سليماني في تحويلِ فتوى السيستاني غطاءً لولادة «الحشد الشعبي» وجعلِه مؤسسةً أمنيةً رسميةً. تغيَّرت ملامحُ العراق والدليل أنَّ فصائلَ عراقية انخرطت في ممارساتٍ عسكرية في الحرب الدائرة حالياً.

كانَ عهدُ علي خامنئي الطويلُ عهدَ تغيير الملامح. راهنَ المرشدُ الأعلى على رجلين قريبين من قلبه وعقله وهما قاسم سليماني وحسن نصر الله. في عهد خامنئي تغيَّرت ملامحُ اليمن وبلغت حدَّ شطبِ الرئيس علي عبد الله صالح. وتغيّر أيضاً المسارُ الفلسطيني بعدما شجَّعت طهرانُ العمليات الانتحاريةَ بعد توقيع اتفاق أوسلو وصولاً إلى تعميم سياسةِ الأنفاق وتصدير الصّواريخ والمسيرات.

كانَ قاسم سليماني يعمل جاهداً لقطع «الخيط الأميركي» الذي يعتبره عائقاً أمام توسيعِ عمليةِ تغييرِ ملامحِ المنطقة. تباهَى جنرالات «الحرس الثوري» بتغيير الملامحِ في أربعِ عواصمَ عربية. وحلمَ سليماني بالإطباقِ على إسرائيلَ بمطرٍ من الصّواريخ المنطلقة من خرائطَ عدة. لا يمكن فهم ما أقدمَ عليه يحيى السنوار إلا بالعودةِ إلى برنامجِ سليماني الذي عاقبه دونالد ترمب وأمرَ بقتلِه في بغداد.

هل كانت طهرانُ وراء «طوفان السنوار» ولو أخفَى موعد انطلاقه؟ هل أساءت تقديرَ قوةِ إسرائيلَ وأميركا؟ واضح أنَّ بنيامين نتنياهو حاول تحويلَ «الطوفان» إلى فرصةٍ تاريخيةٍ لتغيير الملامح على خطوط التماس مع الدول العربية. بدأ طوفانُ النَّار. سقطتِ الحلقةُ السوريةُ من محور الممانعة. وبدأت إسرائيلُ تطبيقَ عقيدتها العسكرية الجديدة. الذهاب إلى الأخطار قبل استفحالها. وإحاطة إسرائيلَ بمناطق عازلة.

استنتج نتنياهو أنَّ تغييرَ الملامح في محيط إسرائيل المباشر سيبقى ناقصاً ومهدداً ما لم تتغيَّر الملامحُ في طهران نفسِها. بذل نتنياهو محاولات كثيرة لإقناع ترمب. تبلور موضوعُ الثلاثية. إيرانُ بلا حلم نوويّ وإرغامُ الترسانة الصّاروخية على التواضع وقطعُ الخيط الذي يربط إيران بأذرعها.

إنَّنا الآنَ في الفصل الملتهب من حرب تغيير الملامح. غيَّرت إيرانُ ملامحَ دول وتحاول أميركا اليوم بالشراكة مع إسرائيل تغييرَ ملامحِ النظام الإيراني جزئياً أو كلياً. الأكيد أنَّ بصمات المواجهة الحالية ستكون حاضرةً في ملامح أطرافِها بعد انحسار الإعصار.

arabstoday

GMT 04:57 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أدوات التهدئة

GMT 04:53 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فى انتظار زكريا الحجاوى

GMT 04:52 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

تحالفات جديدة

GMT 04:51 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

سياسة ترامب!

GMT 04:48 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

رئيس من خارج الصندوق

GMT 04:47 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

كل حرب ولدت أخرى

GMT 04:45 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

عُمَرُ بنُ أبِي رَبيعةَ... وَهَلْ يَخْفَى القَمَر؟!

GMT 04:45 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

عُمَرُ بنُ أبِي رَبيعةَ... وَهَلْ يَخْفَى القَمَر؟!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حرب تغيير الملامح حرب تغيير الملامح



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 06:19 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية
 السعودية اليوم - أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية

GMT 06:30 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها
 السعودية اليوم - أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها

GMT 09:11 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»
 السعودية اليوم - محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»

GMT 09:05 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة
 السعودية اليوم - نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 10:58 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020

GMT 16:19 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 10:03 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2020

GMT 23:21 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

مصطفى ملائكة يُعرب عن حزنه للخسارة أمام "الاتحاد"

GMT 20:13 2023 الجمعة ,01 كانون الأول / ديسمبر

أمير عبد اللهيان يشيد بموقف رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي

GMT 18:26 2023 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

اشتباكات ضارية ومتصاعدة في يوم الحرب على مستشفيات غزة

GMT 10:14 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

التعليق الأول من بيب غوارديولا على دموع كلوب

GMT 12:19 2021 السبت ,30 كانون الثاني / يناير

إليك 7 أشياء ربما لا تعرفها عن "واتس آب"

GMT 05:50 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

تقرير يكشف فوائد السمسم على صحة الجسم والبشرة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon