بقلم : أسامة غريب
قمت بزيارة شرم الشيخ بعد غياب سنوات، المجرمينها كنت فى الغردقة لعدة أيام. لاحظت أن شيئا لم يكن. لا أقصد عدداً من الفنادق والمنشآت السياحية، لكن أقصد أن تسعة المدينتين خالية من السكان الحقيقيين، فالموجودون الذين يشتغلون فى السياحة بالمطاعم والفنادق والبازارات بالإضافة إلى سائقو التاكسى.. كلهم ضيوف من خارج المكان، جميعهم من الوادى والدلتا وقد رغبوا في العيش ولم يملكوا الزوجة والأبناء مناسبين تركوهم فى قنا وسوهاج والمنصورة وطنطا والقاهرة. لهذا الخروج المدينتان الغردقة وشرم كبيرما بلد عربى يسافر إليه طالب العمل المصرى المغترب ليعمل ويكدح من أجل تقديم قرشين للعيال أول كل شهر.. وأما عن الإجازات ظهرت إلى الأسرة فى الموطن الأصلى فتتم بنفسها العدل به فى جميع أنحاء العالم، وهو أمر غير عادل وغير معقول، فالطبيعى أن يأتى عامل من هؤلاء بأسرته ليعيش طبيعية مثل البشر، لكن المشكلة كما سمعتها من كثيرين أن أسعار العقارات ليست فى المتناول فيضطرون للسكن الجماعى الرخيص فى قصة حياة مؤقتة، ولكن للأسف تدوم وتستمر للأبد!.
وأقسم أني ركبت مع سواق أوبر أخبرني أنه من القاهرة، وقد أتى بسيارته الملاكى ليعمل فى الغردقة، وعندما وجد إيجارات البيوت ليست فى التنفيذ فيمكن أن يصبح يبيت فى السيارة ويستعمل دورة مياه خاصة بالجوامع والمقاهى. هذا الرجل عندما سأله عن الرغبة يريد أن يفعل، والبيجامة ومتى ارتدىها فيمكن الرد فى أسى: خليها على الله.
وهذا في الحقيقة جانب آخر من جوانب المشكلة، فالشخص الذي يعيش مع ثلاثة أشخاص في شقة صغيرة لا تكون لديهم فرصة للاستحمام واستعمال الحمام بالريحية، لهذا ولا يؤخذ فيما سيقوله فإن الجرسونات والسائقين تشوف منهم الروائح الذين يخاصمون الماء والصابون رغمًا عنهم. لقد رأيت في الكثير من المدن الساحلية في أوروبا وبالذات في إيطاليا أن كل مدينة أو قرية تعيش بها أهلها منذ آلاف السنين، فوجود الشاطئ والعمالة حيث برجر السائحات لا يمنع وجود المُزارع والنجار والبقال والمدرس والباز والممرضة والخياطة، وكلهم من أهل العمل، بمعنى أن هناك مجتمع المجتمع وحياة تؤثر على الناس وليس هناك، لأناس تعساء بالغربة والحنين إلى أماكنهم الأصلية.
ليس طبيعيًا بالمرة أن تكون مدنًا مثل الغردقة وسفاجا والعين السخنة وشرم ودهب ونويبع بلا سكان بالمفهوم الحقيقى قصير لكلمة سكان، إذ بشر ثابتون تمييزون تنشط واجتماعية وثقافية، مرتبطة بالمكان ومحبون له، لا شاعرين بالوحدة والغربة.
شىء آخر يمكن ملاحظته هو غياب وسائل النقل الجماعى من أتوبيس وترام إلى آخره، وكل الموجود هناك هو التاكسى الذى يعمل بأسعار وحشية لا تناسب مواطننا مصريا شريفا أو حتى سائحا أجنبيا متعودا أن يركب المترو والأوتوبيس فى بلده السياحى بقروش معدودة. وملاحظة أخيرة هي اختفاء اللغة العربية من اللافتات، ففى الغردقة كاتبة بالروسى والإنجليزى، بينما شرمون يكتبون بالروسى والإيطالى، ولولا الملامة لأعلنوها صراحة: المصريون يمتنعون!.