بقلم - أسامة غريب
الحديث لم ينته ولا يجب أن ينتهى حول التحرش الذى أصبح ظاهرة لا تؤثر فقط على حياة الناس فى مصر وإنما على الدخل السياحى أيضًا، ذلك أن كل سائح وسائحة لا يعود إلى بلده إلا مصطحبًا ذكريات أليمة حول ما تعرضت له النساء فى الرحلة.
وإذا كان أمن بنات مصر لا يهم أحدًا، فنأمل على الأقل أن يفزع القوم على الدولارات التى تتسرب من بين أيدينا! إن القبض على متحرش واحد وتجريسه قد يروى بعض الغليل، لكنه لا يحل المشكلة. الصعوبة تكمن فى الوعى الدينى الزائف الذى يجعل الناس حتى وهى تقر بأن التحرش قد حدث ترثى لحال المجرم لأن البنت لو ظلت بالبيت ما حدث لها شىء!. المفارقة التى تكشف النفاق والانحطاط أن السادة المتظاهرين بالتدين وحراس الفضيلة إذا ما شاهدوا فتاة تنزل من سيارة فارهة يقودها سائق خصوصى وكانت ترتدى المينى جيب فإنهم وياللعجب لن يقتربوا منها وقد يشيحون بأنظارهم بعيدًا لأنهم بحاسة الذئب يتشممون ويتوقعون أن مصيبة قد تنتظرهم إذا ما فكروا أن يمسوها!.
إذًا بنات الناس الطيبين فقط هن ضحايا الشعب المتدين بطبعه!. وإذا عدنا إلى نهايات القرن التاسع عشر ورأينا ثورة رجال الدين على المعتمد البريطانى الذى قام بإلغاء الرق وأغلق أسواق النخاسة ومنع ممارسة الجنس «الحلال» مع من يمتلكهم الرجل من الإماء والسبايا، لعرفنا بعض أسباب ما نراه الآن من رغبة عارمة فى العودة إلى الاستيلاء على النساء من جديد. لقد مضى المجتمع فى طور التطور وهجر النظرة إلى المرأة بحسبانها متاعًا يمكن تغييره بسهولة، واستقرت أوضاع النساء كبشر ذوات حقوق مماثلة للرجل.
فى ذلك الوقت سارت النساء فى الشارع بفساتين حتى الركبة وأحيانًا فوق الركبة دون أن ينشغل الرجل بالنظر إليهن. لم يكن الرجال المسلمون وقتها بلا مشاعر أو غرائز، لكن إسلامهم خلا من أفكار نكاح الطفلة التى تطيق الوطء وإرضاع الكبير وسبى النساء ومِلك اليمين، وفى ظنى أن خلو ذهن الرجل من الملوثات ساهم فى حماية المرأة فى الشارع. ظل الأمر هكذا حتى أقبلت الصحوة الوهابية، فانقلب كيان الناس وطفت الغرائز الوحشية فوق السطح وأصبح الزواج بالأطفال عقيدة يقاتلون الناس عليها باعتبارها من السنن المستحبة، وعزز انصراف الناس عن الثقافة وعزوفهم عن قراءة الأدب وتحريم المسرح والسينما والفن التشكيلى، واكتفاءهم بالقراءة عن عذاب القبر والثعبان الأقرع والتداوى ببول البعير.
عزز كل هذا من ظهور الإنسان المسعور الذى يشاهد بعينيه الفتاة يتم لمس جسمها فى الشارع ويكون رد فعله هو الضحك والشماتة! ولو نظرتَ اليوم إلى فتاة من الطبقة الوسطى أو أقل تمشى على الرصيف بجوار قهوة تمتلئ بالرواد لرأيت الجميع يلتهمونها بعيونهم لأنهم متحرشون يحلمون بمواقعة النساء والأطفال، منهم من مارس التحرش فى السابق ومنهم من ينتظر أن يأخذ نصيبه، فكيف نحلم بحل المشكلة فى مجتمع معظم رجاله يحوقلون ويبسملون ويملؤون صفحاتهم بالأذكار والأوراد بينما تملأ أفكار البيدوفيليا عقولهم؟.