عاهات خدمة ذاتية
أخر الأخبار

عاهات.. خدمة ذاتية!

عاهات.. خدمة ذاتية!

 السعودية اليوم -

عاهات خدمة ذاتية

أسامة غريب
بقلم - أسامة غريب

عندما قرأت رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ منذ سنوات طوال كانت شخصية «زيطة»، صانع العاهات، من أكثر الشخصيات إثارة لانتباهى، حتى لقد أحدثت جدلًا داخل نفسى.. كيف يحتمل الإنسان أن يذهب بمحض إرادته إلى صانع العاهات ليقوم ببتر ساقه أو قطع يده أو فقء عينه فيصير بعدها مؤهلًا لشق طريقه فى عالم التسول، ومن ثَم يضمن ملء معدته يوميًا. كنت أسأل نفسى: هل الإنسان عبارة عن معدة فقط؟، ألا يوجد لدى هؤلاء بعض الكرامة أو الكبرياء أو الإيمان؟. فيما بعد فهمت أن الفقر يهوى بالإنسان إلى أسفل سافلين، فلا يتبقى سوى الغرائز التى تساوى بين الإنسان والحيوان، فتصير القضية الأساسية الملحة هى الوجبة التالية وكيف يمكن تدبيرها!.

هذا شأن زيطة وزبائنه، فما بال بعض الناس حتى اليوم يبدون وكأنهم خرجوا لنا من روايات نجيب محفوظ؟. لقد كشفت لى الأيام أن كثيرا ممن صعدوا اجتماعيا من أسفل السلم وحققوا الثراء الفاحش لايزالون غير مصدقين أن بإمكانهم أن ينعموا بالكرامة والاعتداد بالنفس، حتى ليخشوا أنّ الثروة التى تحققت بالخضوع والامتثال قد تضيع مع أول موجة كبرياء يفكرون فى اعتلائها، لهذا فإنهم يؤثرون الذل وهم أثرياء ولا يرضون عن الانبطاح بديلًا، ويتصرفون كأنهم خرجوا من تحت يد زيطة بعاهة أبدية لا يبرأون منها أبدا، وهى التى تضمن لهم الحياة المرفهة.

إننى لا أستطيع أن أمنع نفسى من الضحك عندما أرى أحد المسؤولين يجلس فى حضرة رئيسه وقد مال بجسمه إلى الأمام وهو على كرسيه، ولا يستطيع أن يسند ظهره إلى المقعد.. هل لاحظتم هذه الجلسة التى يخشى فيها المرؤوس من إراحة ظهره وكأن الجلسة المتوترة غير المريحة صارت من علامات إظهار الاحترام لمديره!. وهذا المدير نفسه يجلس الجلسة ذاتها أمام رؤسائه.. وهكذا. هذه الجلسة الخانعة الذليلة لم أشاهدها أبدا فى بلاد برة، حيث الناس يجلسون وظهورهم مفرودة وعمودهم الفقرى مستقيم فى حضرة أى إنسان، لقد شدت الحرية ظهورهم، وسلطان القانون حررهم، فى حين أن الديكتاتورية وعدم تفعيل القانون الهش خلقا لدى العرب تشوهات نفسية، وجعلا حتى الأغنياء منهم يعيشون من خوف الذل فى ذل. يقول الشاعر فى البيت الشهير: «ولم أر فى عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على الكمال». إن المشكلة اليوم هى أن الكثيرين من القادرين على الكمال قد اختاروا أن يُحدثوا بأنفسهم عاهات من أجل تحقيق الثروة وحمايتها. لم يعد زيطة مطلوبًا بعد أن تكفلوا بالقيام بعمله، فصار كل منهم معيوبًا معطوبًا، وفى الوقت نفسه مؤهلًا لحياة مليئة بالطعام والشراب.

ولا أظن نجيب محفوظ كان يتصور أن الظروف التى أفرزت زيطة وقت الحرب العالمية الثانية فى زقاق المدق سوف تستمر حتى الألفية الثالثة، وأن زبائنًا جددًا من طبقات موسرة سوف يبحثون عنه ويلتمسون مساعدته، حتى إذا عزّ وجوده، أحدثوا بأنفسهم العاهات!.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عاهات خدمة ذاتية عاهات خدمة ذاتية



النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ السعودية اليوم
 السعودية اليوم - "ناسا" تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 06:16 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:20 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:08 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 16:03 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 23:49 2020 الخميس ,25 حزيران / يونيو

أفضل سيروم وأقوى خلطة للعناية بالشعر المصبوغ

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 14:31 2013 الجمعة ,27 كانون الأول / ديسمبر

12 قتيل في قصف للجيش اليمني على مخيم عزاء في الضالع

GMT 16:59 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon