فى معنى «البلطجة»

فى معنى «البلطجة»

فى معنى «البلطجة»

 السعودية اليوم -

فى معنى «البلطجة»

عمار علي حسن

على مدار سير أحداث ووقائع الثورات العربية، نسمع طيلة الوقت استغاثات من جانحين وخارجين على القوانين توظفهم النظم الحاكمة فى البلدان العربية التى شهدت ثورات متتابعة لترويع المواطنين والتصدى للثوار وخدمة «الثورة المضادة». هؤلاء يسميهم المصريون «البلطجية» وفى اليمن يقال «البلاطجة» وفى تونس «البلطجيين» وينعتهم السوريون بـ«الشبيحة».. وهكذا تختلف المسميات، لكن الفعل واحد.

ويعود جذر كلمة بلطجى، التى شاعت فى المقالات والأدبيات السياسية والقانونية العربية على نطاق واسع، إلى أصل تركى، وهو حاصل جمع مقطعين لكلمة «بلطة» وهى آلة حادة قاطعة و«جى» ومعناها «حامل»، ما يبرهن على أن الكلمة تعنى «حامل البلطة». وفى أيام الإمبراطورية العثمانية كان حاملو البلط (البلطجية) يشكلون فصيلاً عسكريّاً، يناط به السير أمام قوات المشاة، لتمهيد طريقها إلى دخول القرى والبلدات والمدن، وسيطرتها على الأرض. وكان هؤلاء يقومون بقطع الأشجار والنخيل التى تعترض تقدم هذه القوات، أو عمل فتحات وهدم أجزاء من جدران الحصون والقلاع. وظل هذا الفصيل العسكرى قائماً حتى أيام محمد على باشا، الذى حكم مصر فى الفترة من 1805 إلى 1848.

ووقتها لم يكن اسم أو وظيفة «بلطجى» يحمل أى شىء أو معنى منبوذ أو مستهجن، بدليل أن الوالى العثمانى على مصر فى الفترة من 1752 إلى 1755 كان اسمه «بلجة جى» أو «بلطجى». ولكن هذا الاسم صار مصطلحاً كريهاً بداية من ثلاثينيات القرن العشرين؛ إذ صار «البلطجى» مجرماً فى نظر المجتمع والقانون، وتراكمت هذه الصورة السلبية والمقيتة حتى وجدت الحكومة المصرية نفسها تسن قانوناً لـ«البلطجة» وتضمه إلى قانون العقوبات، ولكنها لم تعرضه على البرلمان، ورفضت المحكمة الدستورية العليا نصه. ثم عادت الحكومة وضمّنت قانوناً لـ«مكافحة الإرهاب» بنوداً تسد الفراغ التشريعى لمكافحة «البلطجة».

وقد صار لـ«البلطجية» دور ملموس فى الممارسات السياسية الطبيعية؛ إذ شاع فى سنوات ما قبل ثورة يناير استخدامهم فى الانتخابات على نطاق واسع، وإسناد وظائف محددة لهم، من قبيل التضييق على أنصار المنافسين وتخويفهم، ومنعهم من الوصول إلى صناديق الاقتراع، أو إجبار الناس على التصويت لصالح مرشح معين، وحماية بعض المرشحين من منازلهم، وفرض هيبتهم وسطوتهم على أهل الدائرة الانتخابية. وفى ظل هذا الوضع المغلوط، صارت «البلطجة» مهنة لبعض المنحرفين والجانحين والمجرمين والخارجين على الأعراف والتقاليد والقوانين، وأصبحت تخضع لظروف السوق وأحوالها، فيزيد الطلب على «البلطجية» أيام الانتخابات العامة، ويقل فى غير موسمها.

كما يستعين بعض رجال الأعمال وكبار الملاك بـ«البلطجية» لتخليص حقوق مؤجلة، أو السطو على حقوق الغير. وشاع الأمر إلى درجة أن كثيراً من الناس، حتى من بين البسطاء والمستورين، يلجأون أحياناً إلى الاستعانة بهؤلاء للغرض نفسه، فى ظل بطء التقاضى، وغياب سلطة القانون، وعدم الثقة فى العدالة، وانشغال جهاز الأمن بحماية كرسى السلطة على حساب الأمن الاجتماعى.

وهذا السلوك المشين ليس حديثاً أو طارئاً، بل له تاريخ فى العالم بأسره؛ فطالما سعت قوى الاستبداد إلى الالتفاف على التطور الديمقراطى من خلال حشد وتكتيل «البلطجية» وحملة الهراوات والسكاكين والغدارات لتفرقة صفوف المشاركين فى الحملات الانتخابية، وفض إضرابات العمال، وقمع احتجاجات منظمات المجتمع المدنى والتجمعات الحقوقية. وهنا تطل بقوة «مافيات آل كابونى» فى الولايات المتحدة وبلطجية «إس إس» فى ألمانيا النازية و«الفلانج» فى إسبانيا، وأصحاب القمصان السود فى إيطاليا الفاشية.

ولم تقف «البلطجة» عند هذا الحد المرتبط بالأفراد والجماعات السياسية داخل الدول، بل لقد وصلت إلى النظام الدولى برمته، فأصبح العرب المحدثون يطلقون على أعمال إسرائيل وبعض أعمال الولايات المتحدة الأميركية صفة «بلطجة»؛ حيث الإفراط فى استخدام القوة، وارتكاب قدر هائل من العنف، فى ظل غياب أى مسوغ قانونى لمثل هذا السلوك، ومع عدم اعتناء من قبل المعتدين أو ممارسى «البلطجة» بوجود مثل هذا المسوغ، والإخلاص فقط لتحقيق المصلحة حتى ولو على رقاب الناس ودمائهم، أو لفرض الهيبة، حتى لو ظهر المعتدى فى صورة الدولة الباغية المتغطرسة المتجبرة.

ومثل هذا الوضع جعل «البلطجة» تخرج عن حدود الممارسات العنيفة والغليظة لعصابات أو أفراد، لتصبح ظاهرة عالمية واسعة، تمتد إلى جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ما يحدو بعدد من السياسيين والدبلوماسيين والمفكرين وقادة الدول ليستعملوا كلمة «بلطجة» فى وصف كثير من الممارسات القمعية لبعض الدول. وقد التقط الإعلاميون العرب الخيط ففاضوا فى وضع عناوين من قبيل «بلطجة أميركية فى مياه الأطلسى» و«البلطجة الأميركية تطال أفغانستان» و«دولة البلطجة» و«نواب البلطجة» و«زمن البلطجة» و«فكر البلطجة».. والبقية تأتى. 

arabstoday

GMT 07:05 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

لا نهاية للأسئلة الأمريكية

GMT 07:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب المأزوم المهزوم

GMT 07:03 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الموسيقار خالد الأمير غرق في قارورة العسل!!

GMT 07:02 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

بالنقاط

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هل يتواضع الديمقراطيون عند النصر؟

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

القوة الناعمة والجاذبية المتضائلة

GMT 06:58 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

أميركا... البندول يتأرجح

GMT 06:57 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

إجبارية التقدم والفرص المتاحة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فى معنى «البلطجة» فى معنى «البلطجة»



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:04 2018 الأحد ,08 تموز / يوليو

"واتسآب" يمنح مكافآت مالية لمن يحل مشاكله

GMT 06:48 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

جولة بالصور على قصر الراحل دييغو مارادونا

GMT 11:57 2019 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

لعبة بروكسل مع الحكومات الاستقلالية النزعة

GMT 23:11 2018 الإثنين ,24 أيلول / سبتمبر

نصائح للحصول على فخدين ومؤخرة أكثر جمالاً

GMT 06:23 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

ماسك زيت السمسم لتطويل الشعر على الطريقة الهندية

GMT 14:04 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 09:56 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

فنادق فاخرة في الطبيعة الخلابة لقضاء عطلة صيفية رائعة

GMT 05:13 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

تسريحات للشعر جميلة ومميزة لتكتمل أناقتك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon