بقلم: د. وحيد عبدالمجيد
فى العلوم الإنسانية، كما فى اللغة، كلمات ومصطلحات عدة تدل على حدوث صراع. ومن أهمها مصطلح أو مفهوم الانشقاق Dissent الذى يفيد فى دراسة التفاعلات الصراعية داخل الجماعات البشرية. والانشقاق ليس حالة بشرية-مجتمعية فقط، بل طبيعية أيضًا. ويُعلمنا القرآن الكريم أن الانشقاق هو أول ما سيحدث يوم القيامة، وفقًا لترتيب الآيات فى سورة الانشقاق التى تبدأ بقوله تعالي:« إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحُقت. وإذا الأرض مُدت وألقت ما فيها وتخلت ...» صدق الله العظيم. ومفهوم الانشقاق معروف فى العلم منذ بداية القرن الماضى. فقد عُرف أولاً فى علم النفس للدلالة على حالات مثل التعايش فى الأنا بين موقفين مختلفين، وقد يكونان متعارضين، وكذلك لفصل الصفات المتعارضة التى تتعايش فى داخل الأنا بهدف تجنب الإحباط.
ونُقل المصطلح بعد ذلك إلى علم الاجتماع كمفهوم تحليلى يفيد فى دراسة الصراعات فى المجتمع. واستُخدم المفهوم فى مرحلة تالية فى علم السياسة لدراسة الصراعات التى تحدث داخل الأحزاب والمنظمات وغيرها من الجماعات السياسية، وتؤدى إلى انفصال بعض قادتها وأعضائها.
ومصطلح الانشقاق شائع أيضًا فى دراسة تاريخ الأديان. ففى المسيحية حدث أول انشقاق كنسي-لاهوتى عام 451 ميلادية، إذ انشقت كنائس الشرق عن كنيسة روما وعُرفت بالكنائس الأرثوذكسية. ولا يقتصر الانشقاق فى تاريخ المسيحية على انفصال الكنائس الشرقية الأرثوذكسية عن الكنيسة الكاثوليكية. فقد أدى ظهور المذهب البروتستانتى إلى انشقاق جديد، فكان أن حدث الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت فى مطلع القرن السابع عشر.
وفى تاريخ الإسلام بدأ الانشقاق المذهبى مبكرًا جدًا ومرتبطًا بقضية الخلاف. وتطور الخلاف السُني-الشيعى بسرعة فى قضايا مرتبطة بمفاهيم الإمامة والمهدوية والعصمة.
وهكذا صار مفهوم الانشقاق من أهم المفاهيم العابرة للعلوم الإنسانية، إذ يفيد استخدامه فى دراسة ظواهر شتى فى التاريخ والمجتمع والسياسة.