منفيون تحت التراب

منفيون تحت التراب

منفيون تحت التراب

 السعودية اليوم -

منفيون تحت التراب

بقلم: مصطفى فحص

كانت المكالمة للاطمئنان على صحة أحد أقربائه، وهو صديق قديم وواحد من وجهاء منطقته، وفاعل اجتماعي يحظى بسمعة طيبة واحترام كبير، كما أنه نازح حالي منذ حرب الإسناد الأولى، فقدَ كل ما يملك كغيره من سكان القرى الحدودية، وتُقلقه حرب إسناد ثالثة قد لا تقضي على آمال الجنوبيين بالعودة أحياء، بل حتى أمواتاً.

في وصف حالته، يفرض عليه موقعه الاجتماعي الاهتمام بشؤون النزوح وشجونه، والمصاعب التي تلاحق أهل الجنوب اللبناني النازحين، وآخرها تأمين المقابر للمتوفين منهم. فما طرحه أو طلبه صديقي كان مبادرة لاستحصال قطعة أرض من مشاعات الدولة اللبنانية، وتحويلها إلى مقبرة لأبناء بلدات جنوبية تعرضت لإبادة عمرانية كاملة، وتقع ضمن ما يُعرف بالخط الأصفر، حيث تبدو العودة إليها مستبعدة في المدى القريب أو المتوسط؛ حيث لم يعد الأمر يتعلق بمقبرة بديلة فحسب، بل بضرورة إيجاد مكان يليق بموتى النزوح، بعدما تعذرت عودتهم إلى ترابهم.

في التغريبة الجنوبية، يعاني النازحون الأحياء صعوبة التأقلم مع أماكنهم المؤقتة، أما النازحون الموتى فباتوا جثامين تُدفن كودائع في مقابر مؤقتة، بانتظار عودتها إلى تربتهم الأولى. فالموت يبدو أكثر قسوة وغربة؛ لأنه إذا مات نازح، ففي أيِّ ثرى سوف يوارونه؟

كأن الجنوبيين يستنسخون التغريبة الفلسطينية بكل فصولها منذ حروب الإبادة الإسرائيلية المستمرة عليهما: من نزوح مؤقت إلى لجوء دائم، من الكفاح المسلح إلى حروب الإسناد، من الخيام إلى البيوت الجاهزة، من مدافن الشهداء إلى مقابر الغرباء، من البحث عن مأوى إلى شروط الدفن. فأكثر ما يواجه اللاجئين الفلسطينيين في لبنان قضية المدافن والحصول على قطعة أرض، وهذا ما يعاني منه النازحون الجنوبيون الآن بكل تفاصيله.

في التعاقب أو التزامن الفلسطيني - اللبناني خلال حروب التطهير العرقي الإسرائيلية الممتدة، رأى الراحل الكبير محمود درويش أن القبر مرآة للهوية والتاريخ. وفي قصيدته «رأيت الوداع الأخير»، يطرح سؤالاً بالغ القسوة، يقول: «ولكنني لا أرى القبر بعد. ألا قبر لي بعد هذا التعب؟». هو التعب الفلسطيني - اللبناني، وهو سؤال أهل الجنوب الذي طرحه درويش قبل عقود: هل أصبحنا ودائع في قبور مؤقتة بعد هذا التعب؟ فما لم يدركه أولئك المقامرون بالأحياء والأموات من أهل الجنوب أن أخطر ما في النزوح ليس أن يُقتلع الإنسان من بيته، بل أن يُقطع عن المكان الذي يربط حياته بحياة أسلافه، ويمنح موته معنى الانتماء.

فالمقبرة هنا لم تعد مجرد مساحة لاحتضان الجسد أو شاهد يوضع فوق قبر، بل لحظة اكتمال الانتماء إلى بقعة من الأرض، من المهد إلى اللحد. فيها الوصل بين الذاكرة الجماعية للعائلة وأجيالها المتعاقبة، وبين سيرة الأحياء وحكايات الذين سبقوهم. فالإنسان لا يرث أرضه من الأحياء وحدهم، بل من الموتى الذين يرقدون فيها، ويتركها بدوره أمانة لمن سيأتي بعده.

وعليه، بالنسبة إلينا نحن الأحياء على حافة الحرب أو النازحين على حافة الموت، يصبح القبر آخر حلقة في سلسلة النسب والذاكرة والانتماء إلى المكان.

 

arabstoday

GMT 07:05 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

لا نهاية للأسئلة الأمريكية

GMT 07:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب المأزوم المهزوم

GMT 07:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب المأزوم المهزوم

GMT 07:03 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الموسيقار خالد الأمير غرق في قارورة العسل!!

GMT 07:02 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

بالنقاط

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هل يتواضع الديمقراطيون عند النصر؟

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

القوة الناعمة والجاذبية المتضائلة

GMT 06:58 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

أميركا... البندول يتأرجح

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

منفيون تحت التراب منفيون تحت التراب



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف

GMT 06:16 2012 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مستمرة بالتقدم رغم صعوبة كفاح السينما العربية

GMT 22:43 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2017

GMT 13:51 2017 الإثنين ,17 تموز / يوليو

فشل الارهاب و سقوط الاقنعة

GMT 17:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

فوائد زيت النعناع الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon