جنوب لبنان بين الإسناد والسند

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

 السعودية اليوم -

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

مصطفى فحص
بقلم - مصطفى فحص

تمثّل معضلةُ السَّند والإسناد ثنائيةً حاكمة للدور والوظيفة اللذين رافقا أهل جنوب لبنان منذ انضمام جبل عامل إلى دولة لبنان الكبير عام 1920، وما بعد الاستقلال سنة 1943. فقد عانى الجنوبيون طويلاً من غياب السند، الذي كان على دولتهم أن توفرَه لهم، قبل أن تحاول هذه الأخيرة تصحيح مسارَ علاقتها معهم بعد اتفاق الطائف ونهاية الحرب الأهلية.

غير أنّ سنة 1948، تاريخ قيام دولة الكيان الإسرائيلي، شكّلت نقطة تحوّل مفصلية في موقع ودور الجنوب وأهله اجتماعياً واقتصادياً. إذ قُطعت حركةُ التجارة بين جهتي الحدود، فتراجعت مدنٌ وبلدات جنوبية كانت، قبل ذلك التاريخ، مزدهرة بحكم موقعها الجغرافي. فمدينة صغيرة مثل بنت جبيل كانت تعجّ بخانات المسافرين ذهاباً وإياباً نحو فلسطين، فيما كانتِ الناقورة ممراً ساحلياً حيوياً يمتد جنوباً حتى سيناء.

ومع التراجع التدريجي للدولة اللبنانية عن مهامها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، سواء بحكم ضعف الإمكانيات، أو نتيجة إهمال متعمّد، أو بسبب ضغوط خارجية مقصودة، تحوّل جنوب لبنان إلى مساحة إسناد في مواجهات أكبر من حجمه ومن طاقة سكانه. فغدا من بين المساحات التي اختزل فيها دعاة الكفاح المسلح، لبنانيين وفلسطينيين وعرباً، مشروع «تحرير فلسطين»، قبل اتفاق القاهرة وما بعده، وصولاً إلى مرحلة الوصاية الإيرانية.

اليوم، وفي الوقت الذي يحتاج فيه الجنوب وأهله إلى من يسندهم ويخفّف عنهم أعباء مغامرة قاتلة، يلوّح «حزب الله» مرة جديدة باستخدام جنوب لبنان كحيّز استراتيجي في المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران. ويُصرّ الحزب على تكريس دور وظيفي واحد للجنوب، ضمن استراتيجيات الردع الإقليمي التي استخدمتها طهران سابقاً دفاعاً عن مشروعها الإقليمي، وتستخدمها حالياً دفاعاً عن نظامها.

وهكذا، يعيد «حزب الله» جنوب لبنان، أو جبل عامل وفق تسميته التاريخية، إلى وظيفته الإقليمية ودوره الاستراتيجي، حيث ينحصر التعامل معه بوصفه خط تماس متقدماً مع دولة الكيان منذ اتفاق القاهرة وحتى اليوم، أي تحويله إلى ساحة إسناد في صراع أكبر من الجنوب نفسه، وأكبر من قدرة الدولة اللبنانية.

هذه الدولة، بكل ضعفها وغياب إمكانياتها، لا بديل عنها بالنسبة للجنوبيين، فهي سندهم الوحيد. غير أنّهم دفعوا ثمن سياسات من تولّى أمرهم، إذ لم يقدّم الثنائي الحاكم (حركة أمل وحزب الله) سابقاً نموذجاً اقتصادياً أو اجتماعياً سانداً، بقدر ما ربط السند بما يخدم مصالحه. فالتنمية التي جاءت من الدولة، لا من موارد الثنائي، كانت تطبيقاً ممنهجاً لاقتصاد وتنمية ريعيَّين غير مستدامين، فيما كان الإسناد، في عقل الثنائي وخصوصاً «حزب الله»، يعني جبهة مواجهة مفتوحة.

في حرب الإسناد الأخيرة، تحوّل الجنوب إلى حطام، وتكبّد خسائر بشرية فادحة، فيما تحوّل جزء كبير من أهله إلى نازحين، في وقت رفع فيه «حزب الله» وأمينه العام خطاب الانتصار، في حالة إنكار قد يصعب علاجها. إذ بات تمسّك الحزب بالإسناد موقفاً عقائدياً يجمع بين الخيار الاستراتيجي والهوية الوظيفية.

أما اليوم، فقد تجاوزت هذه الوظيفة ما سبقها، عبر إدراج الجنوب ضمن معادلة الردع الإقليمي الإيراني، حيث توظّفه طهران كأداة من أدوات توازنات القوة التي تستخدمها خارج حدودها الوطنية. وقد وفّر هذا التوظيف لإيران حضوراً استراتيجياً مباشراً على حدود الكيان الإسرائيلي، ما يعني تقديم الأولوية الأمنية والعسكرية للمنطقة وسكانها على حساب أولويات التنمية، أما الأخطر الآن في المواجهة المحتملة فإنها قد تكون على حساب أولوية البقاء نفسها.

وعليه، يا سماحة الأمين العام أهل الجنوب بحاجة إلى من يسندهم لا إلى من يسندونه.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جنوب لبنان بين الإسناد والسند جنوب لبنان بين الإسناد والسند



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:04 2018 الأحد ,08 تموز / يوليو

"واتسآب" يمنح مكافآت مالية لمن يحل مشاكله

GMT 06:48 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

جولة بالصور على قصر الراحل دييغو مارادونا

GMT 11:57 2019 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

لعبة بروكسل مع الحكومات الاستقلالية النزعة

GMT 23:11 2018 الإثنين ,24 أيلول / سبتمبر

نصائح للحصول على فخدين ومؤخرة أكثر جمالاً

GMT 06:23 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

ماسك زيت السمسم لتطويل الشعر على الطريقة الهندية

GMT 14:04 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 09:56 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

فنادق فاخرة في الطبيعة الخلابة لقضاء عطلة صيفية رائعة

GMT 05:13 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

تسريحات للشعر جميلة ومميزة لتكتمل أناقتك

GMT 21:56 2020 الخميس ,04 حزيران / يونيو

الخطة الكاملة لموديلات هيونداي 2021

GMT 17:20 2020 الخميس ,10 كانون الأول / ديسمبر

إطلالات الجينز من وحي النجمات العربيّات

GMT 00:06 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

فرحة لم تكتمل في دار أزياء «فيتون»

GMT 10:14 2019 الثلاثاء ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أفلام تعرض للمساجين خلال "قرطاج" في تونس

GMT 05:50 2019 الخميس ,12 أيلول / سبتمبر

حتى لا يصبح الهلال الإيراني قمراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon