الهجرة وحرب الروايات

الهجرة وحرب الروايات

الهجرة وحرب الروايات

 السعودية اليوم -

الهجرة وحرب الروايات

لحسن حداد
بقلم - لحسن حداد

تُعدّ أزمة الهجرة هاجساً عالمياً، بل تكشف، كما تفعل الأزمات الكبرى، كيف تُصنع الروايات وتتشكل القناعات قبل اكتمال الحقائق. وهكذا، تصبح الرواية الأولى، مهما كانت ناقصة أو متسرعة، قادرة على التأثير في الرأي العام وصناعة انطباعات قد تستمر حتى بعد ظهور الوقائع الكاملة.

أول ضحايا هذه أزمة الهجرة هم البشر. والهجرة ليست دائماً نتيجة للفقر المدقع، بل قد تكون أيضاً نتيجة البحث عن الأمل والفرص. لذلك، لا ينبغي اختزال المهاجرين في أرقام أو تحويلهم إلى أدوات في الصراع السياسي. لهذا فإنَّ أي مقاربة إنسانية لهذه الظاهرة يجب أن تنطلق من احترام كرامة الإنسان قبل أي اعتبار سياسي أو أمني.

لقد أصبحت المنصات الرقمية جزءاً أساسياً من دينامية الهجرة. فالشائعات، والمعلومات المضللة، والمحتويات التحريضية، وشبكات التهريب، أصبحت عوامل مؤثرة لا تقل أهمية عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية، مثل الفقر والبطالة وغياب فرص العمل اللائق.

ولم تعد وسائل التواصل مجرد ناقل للأخبار، بل أصبحت أداة للتعبئة وصناعة التوقعات. فصورة واحدة لمهاجر نجح في العبور، أو مقطع فيديو يصوّر الطريق وكأنه أصبح مفتوحاً قد ينتشر في ساعات ويؤثر في قرارات آلاف الأشخاص. وهكذا تتداخل المعلومة الصحيحة مع الشائعة، وتتقاطع مصالح شبكات التهريب مع دينامية الانتشار الرقمي، فيتحول الفضاء الافتراضي إلى عنصر مباشر في صناعة القرار الفردي والجماعي بالهجرة.

وإذا كانت هذه بعض عوامل الدفع، فإن الجانب الآخر من المعادلة يتعلق بعوامل الجذب، مثل أسطورة «الإلدورادو الأوروبي»، والتصور السائد عن سهولة الوصول إلى إسبانيا، فضلاً عن القرار الأخير للمحكمة العليا الإسبانية، الذي يقضي بعدم الإرجاع الفوري لمن يدخل سبتة سباحة، مع ضرورة احترام مسطرة تحديد الهوية واستكمال الإجراءات الإدارية والقانونية الأخرى. غير أن هذه العوامل تفاعلت مع ظروف ميدانية وإعلامية. فالأزمات الكبرى نادراً ما تكون نتيجة سبب واحد، وإنما تنشأ من تداخل عوامل متعددة يتعذر اختزالها في تفسير أحادي أو في رواية سياسية جاهزة.

الخطر الكبير في مثل هذه الوقائع هو نظرية المؤامرة. أي الاعتقاد بأن كل حدث استثنائي لا بد أن يكون نتيجة مؤامرة مُدبَّرة. نظريات المؤامرة تعطي تفسيراً سهلاً لواقع مُعقَّد، متداخل يصعب فهمه. كما تمنح شعوراً زائفاً باليقين عبر اختزال هذا الواقع في سبب واحد وفاعل واحد. لذلك فإن غياب الأدلة لا ينبغي أن يُعوَّض بيقين زائف، كما أن التواضع المعرفي يظل دائماً أفضل من اليقين غير المؤسَّس. لهذا فالتفكير النقدي واحترام المنهج قبل إصدار الأحكام أصبحا عملة نادرة في عالم اليوم المفعم بكم هائل من المحتوى من الصعب التحقق من صحته.

مسؤولية الإعلام في تجنب الإثارة؛ ومسؤولية الباحثين والمحللين في عدم تحويل الفرضيات إلى حقائق؛ ومسؤولية المجتمعات في مقاومة التضليل. فالتعاون وتبادل المعلومات، واحترام القانون الدولي، والالتزام بأخلاقيات الإعلام، كلها عناصر لا غنى عنها لتفادي تكرار الأزمات والحد من آثارها الإنسانية.

حرب الروايات ستتكرر في أزمان أخرى. التحدي الحقيقي هو بناء ثقافة تميز بين الحقيقة والرأي، وبين الدليل والانطباع. لذلك فإن الدرس لا يتعلق فقط بإدارة الحدود، بل أيضاً بإدارة المعلومة، لأن الروايات قد تستمر في التأثير حتى بعد انتهاء الحدث نفسه.

أول ضحية لأي أزمة ليست الأرواح فقط، بل الحقيقة نفسها عندما يتخلى الناس عن التفكير النقدي لصالح الرواية التي توافق أهواءهم. ففي العصر الرقمي، لم تعد الهجرة تنتقل فقط عبر الحدود، بل تنتقل أيضاً عبر الروايات. لهذا تظل الحقيقة، أكثر من أي وقت مضى، الضحية الأولى لعصر تتدفق فيه المعلومات بدون انقطاع، بينما يصبح التمييز بين الوقائع والانطباعات مسؤولية جماعية لا تقل أهمية عن إدارة الأزمات نفسها.

arabstoday

GMT 07:05 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

لا نهاية للأسئلة الأمريكية

GMT 07:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب المأزوم المهزوم

GMT 07:03 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الموسيقار خالد الأمير غرق في قارورة العسل!!

GMT 07:02 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

بالنقاط

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هل يتواضع الديمقراطيون عند النصر؟

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

القوة الناعمة والجاذبية المتضائلة

GMT 06:58 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

أميركا... البندول يتأرجح

GMT 06:57 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

إجبارية التقدم والفرص المتاحة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهجرة وحرب الروايات الهجرة وحرب الروايات



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:04 2018 الأحد ,08 تموز / يوليو

"واتسآب" يمنح مكافآت مالية لمن يحل مشاكله

GMT 06:48 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

جولة بالصور على قصر الراحل دييغو مارادونا

GMT 11:57 2019 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

لعبة بروكسل مع الحكومات الاستقلالية النزعة

GMT 23:11 2018 الإثنين ,24 أيلول / سبتمبر

نصائح للحصول على فخدين ومؤخرة أكثر جمالاً

GMT 06:23 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

ماسك زيت السمسم لتطويل الشعر على الطريقة الهندية

GMT 14:04 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 09:56 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

فنادق فاخرة في الطبيعة الخلابة لقضاء عطلة صيفية رائعة

GMT 05:13 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

تسريحات للشعر جميلة ومميزة لتكتمل أناقتك

GMT 21:56 2020 الخميس ,04 حزيران / يونيو

الخطة الكاملة لموديلات هيونداي 2021

GMT 17:20 2020 الخميس ,10 كانون الأول / ديسمبر

إطلالات الجينز من وحي النجمات العربيّات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon