الافتتانُ بحكمةِ أبي مُحسَّد

الافتتانُ بحكمةِ أبي مُحسَّد

الافتتانُ بحكمةِ أبي مُحسَّد

 السعودية اليوم -

الافتتانُ بحكمةِ أبي مُحسَّد

تركي الدخيل
بقلم - تركي الدخيل

الحكمةُ في شعر المُتَنَبّي، هي تقديمُ الحياة، بصورتِها الحقيقية، ببيانٍ يوضّحُ محدداتِها، وفصاحةٍ امتازَ بها شعرُ أبي الطيب، وبفنونِ البديع التي تُلوّن بجمالٍ حدودَ التعريفاتِ والأوصاف، الَّتِي ساقَهَا المُتَنَبّي، لِشَرحِ مَعَانيه. أيُّ واقعيةٍ مثل واقعيةِ حكمتِه، التي أوردَهَا في بيانِ قبحِ الحقيقة، وجمالِ التَّمثل:

فَما يَدومُ سُرورٌ ما سُرِرتَ بِهِ

وَلا يَرُدُّ عَلَيكَ الفائِتَ الحَزَنُ

أيُّ شاعرٍ يستطيعُ أن يقولَ، بنبرةٍ من وزنِ معانِي الحياة، إذ يمزجُ الحكمةَ باقتباس أمثالِ العَرب:

وَليُّكَ االلهُ لِمْ صيَّرتَني مَثَلاً

كالمُستَجيرِ من الرمضاءِ بالنارِ

فما سببُ افتتانِ النَّاس بالحكمة، في شعر أبي الطيب المتنبي، تلك التي مَيَّزت شعره، عن شعر غيره، بمن فيهم من اشتهروا بشعر الحكمة؟!

الحكمةُ في شعر المتنبي، في مبانيها ومعانيها، صورٌ تجسِّد قواعد كتاب الحياة، وفقاً لأبي الطيب.

إنَّها حكمة المتغلّب المتمكن، لا حكمة الخاضع المسالم، ممَّا يوافق هوى النفوس، فهو يصيب حتى الخاضعَ المسالم، في حكمته، وإن لم يصرح به.

إنَّ نمطَ المتنبي في الحكمة، بحسب فهمي، هو نمطٌ مستحدث في شعريته الحكمية، ومكمن استحداثه وجدته، هو ما أسميه: «واقعية توصيف معيشةِ الإنسان».

أزعم أنَّ واقعية المتنبي، لا تتضمَّن ما عند حكماء الشعراء، مثل أبي العتاهية قبله، وأبي العلاء بعده، من مثالية نظرية. إنَّها واقعية، جعلته محبوبَ متلقيه ورواتِه ونقاده وشُرَّاحِه، فديوان مثل «اللزوميات»، صاغه أبو العلاء، وهو حكمة خاضعة، مسالمة، مستسلمة، مع نقدٍ للدنيا، وأهلِها، وعقائدها، لكنَّه لم ينل عشرَ معشار، ما ناله شعرُ الحكمةِ عند المتنبي، من حفاوةٍ واحتفاء، نقلاً، وشرحاً، ورواية.

يشرح ما سبق، شكيب أرسلان (ت 1946م)، فيقول: «لا يوجدُ معنى تبحث النفسُ عنه، لتجد له قالباً لائقاً، إلا وجد الإنسان عليه بيتاً من شعر المتنبي، ففي هذا لا يباريهِ مُبَارٍ ولا يصطلي له بنار، ولا تأتي بمثله الأمصار، لا في شعراء العرب ولا في غيرهم. الحكمة هي المملكة التي أبت أن تُعطي لغير أبي الطيبِ قيَادَها». إنه حين يقول:

«الجودُ يُفقرُ والإقدامُ قتَّالُ» أو يقول: «وَمَا بَلَدُ الإنْسانِ غَيرُ المُوافِقِ»

أو يقول: «إذا عظمَ المطلوبُ قلَّ المساعدُ»

أو يقول:

«وأَتْعبُ من نَادَاكَ مَنْ لاَ تُجِيْبُهُ»

إنَّما يجسّد واقعيةَ الفقر، والشجاعةِ المرادة، في الإنسان، وواقعية مشاكلة الوطن للمستوطن، وإدراك أنَّ عظمَ المراد، لا توجد معه أعوانٌ كثر لنيله، وأنَّ من لا تجيبه، لم تجبه لإتعابه لك فيما مضى!

يندر أن نجدَ، أيها القارئ الكريم، مثلَ ما سبق، حكمة واقعية، يمكن الاستفادة منها، في بناء النفس، وهي حكمة واقعية، لا مثالية، ولا نظرية، في الشعر العربي، القديم، والحديث! في حكمته، يهجمُ المتنبي، على المعنى:

«ومِنَ البليَّةِ عذلُ منْ لا يرعويْ...

عن غَيِّهِ وخطابُ منْ لا يفهَمُ»

فمن لا يرعوي، لا يعذل، بواقعية حكمة الحياة، ومن لا يفهم، مخاطبته بليّة. هذه الواقعية، تأخذ بمجامع القلوب، لأنَّها نابعة من معيشة الناس، وليست دعوة مثالية يصعب على الناس التقاطها. وتتبيَّن حلاوة البيت السابق، عند تطبيقه، إذ يوافق هوى النفوس المتألمة، ممن لا يرعوي، وممن لا يفهم.

بمرافقتي ديوان المتنبي، وشروحه، وجدتُ الحكمة، التي يصوغها بإبداع في المعنى والمبنى، يزيد وهجها، واقعيتها، فمن يسمعها، يربطها مباشرة، بما يطابقها، من أحداث حياته، أو يرى إمكانَ تحويلها أفعالاً وممارسات.

«ذلَّ من يغبط الذليل بعيش...

ربَّ عيشٍ أخفُّ منه الحِمامُ»

فالعيشُ الذي أخفُّ منه الموت، ليس مغبوطاً، إلا من الذليل، الذي لا يملك إلا حسدَ الأحياء، أياً كانت حياتهم. إنَّه معنى مبتكرٌ، لم يقل أحدٌ مثلَه، وهو من الحكمة. الحَديثُ يطولُ فِي هذَا المِضمَار، لكنَّني أختمُ ببيتٍ، يجسّدُ فيه المتنبي أقصَى واقعية حكمة الحياة، التي يُوردُها في سياقِ قواعدَ كلية، فيقول:

وَمَا انْتِفَاعُ أخي الدّنْيَـا بِنَاظِرِهِ

إذا اسْتَوَتْ عِنْـدَهُ الأنْـوارُ وَالظُّلَـمُ

arabstoday

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

GMT 08:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السودان في مواجهة مخطط صناعة الدولة الفاشلة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الافتتانُ بحكمةِ أبي مُحسَّد الافتتانُ بحكمةِ أبي مُحسَّد



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 10:44 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هاري كين يواصل مشواره مع بايرن ميونخ بعقد جديد حتى 2029
 السعودية اليوم - هاري كين يواصل مشواره مع بايرن ميونخ بعقد جديد حتى 2029

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon