قصة ميزانيتين

قصة ميزانيتين

قصة ميزانيتين

 السعودية اليوم -

قصة ميزانيتين

بقلم: عادل درويش

يومان في الحياة السياسية البريطانية يكاد البلد كله يتوقف لمتابعتهما؛ الأول يوم الانتخابات العامة، عندما تُفتح الصناديق بعد العاشرة ليلاً، وغالباً تستيقظ بريطانيا وهي تعرف مَن سيحكمها. والثاني يوم الميزانية.

الميزانية ليست مجرد أرقام تعلنها الحكومة من فوق؛ إنها يوم سياسي وبرلماني كامل، فكل رقم يؤثر، مباشرة أو غير مباشرة، على جيب المواطن: ضريبة الدخل، والأجور، والمعاشات، وأسعار الطاقة والبنزين، والضرائب على الشركات والعقارات، وحتى سعر المشروب في الحانة، والذي كان الناخبون ينتظرون تقليدياً ليعرفوا إن كان سيرتفع في المساء.

ولهذا قضت بريطانيا أسابيع تنتظر أول ميزانية يقدمها وزير المالية الجديد جون هيلي، بعد سيل من التسريبات والتكهنات والوعود.

وبعد كل هذا الانتظار، ترقبت وستمنستر الأرنب الذي سيخرجه الوزير من القبعة.

حضر الوزير بلا عصا سحرية وبلا قفاز أبيض، فما خرج كان أقرب إلى مدفع في فيلم كوميدي قديم: دوى انفجار هائل، ثم تدحرج شيء صغير على الأرض ليتلاشى بلا أثر. شبح من الماضي ربت على كتف الوزير.

فمن منصة الصحافيين تبادل المخضرمون النظرات. فقد سبق أن شاهدنا «هيلي» آخر يقدم ميزانيته الأولى قبل 52 عاماً.

في ربيع 1974، وقف دينيس هيلي، وزير المالية في حكومة هارولد ويلسون، في البرلمان بعد أسابيع من أزمة «أسبوع الأيام الثلاثة» التي شلت الصناعة البريطانية؛ فبعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، عندما وظّف العرب النفط سلاحاً، ارتفعت أسعاره بصورة غير مسبوقة. واعترف هيلي، «موديل 1974»، لاحقاً بأن أزمة النفط سيطرت على الاقتصاد البريطاني والعالمي.

واليوم يقف هيلي الجديد أمام البرلمان، فيما حرب أخرى في الشرق الأوسط تضغط من جديد على أسعار الطاقة والاقتصاد.

يوم الميزانية له تقاليد متوارثة تكاد تشبه طقوس افتتاح البرلمان. تقديم الميزانية يتبع مساءلة رئيس الحكومة يوم الأربعاء، ويترك رئيس مجلس العموم الكرسي لنائبه (نائبته هذه المرة) الذي يتولى مناقشتها لأنها، برلمانياً، جلسة لجنة لا جلسة للمجلس بكامله. وبعد انتهاء الوزير يستجوبه زعيم المعارضة الرسمية، لا وزير مالية حكومة الظل، فدور الأخير تفنيد بنود الميزانية في جلسات مناقشتها التي تمتد سبعة أيام أخرى.

المهمة الحقيقية لمراسلي البرلمان تبدأ عند انتهاء الخطاب.

فور جلوس الوزير، وتهنئة رئيس الحكومة أندي بيرنهام له، الذي يظل جالساً بجواره بصفته أيضاً اللورد الأول للخزانة (منصب أقدم من رئاسة الحكومة بقرون)، يتسلم الصحافيون كتابين ثقيلين: «الكتاب الأحمر» للميزانية (166 صفحة هذا العام)، و«الكتاب الأزرق» (200 صفحة) تقرير مكتب مسؤولية الميزانية.

الأحمر يخبرنا بما تريد الحكومة أن نعرفه، والأزرق يساعدنا على اكتشاف ما تفضل الحكومة ألا نعرفه.

الكتابان، جنباً إلى جنب، يساعدان على اكتشاف الألغام المختبئة بين الجداول والحواشي. بعضها ينفجر بعد ساعة، والآخر يظهر خلال المناقشات التالية، بمساعدة خبراء الاقتصاد والمحاسبين، والمعارضة، التي تبدأ بدورها البحث عن الذخيرة.

هيلي وعد الناخبين بـ«مساحة لالتقاط الأنفاس»، ومساعدة في فواتير الطاقة، واستثمارات ودعم للأعمال. لكن مكتب مسؤولية الميزانية يتوقع أن يتباطأ النمو إلى واحد في المائة العام المقبل، فيما أثار معهد الدراسات المالية تساؤلات حول قدرة الإجراءات الصغيرة المتعددة على تغيير مسار النمو فعلاً.

أول عبارة تهكم في ردّ زعيمة المعارضة كيمي بيدنوك: «هل هذا كل شيء؟»، واتهمت الحكومة بزيادة الضرائب وارتفاع الديون والإنفاق على الإعانات.

المفارقة الأكبر أن هيلي نفسه كان قد استقال بصفته وزيراً للدفاع؛ احتجاجاً على نقص ميزانية «الدفاع»؛ وبعد توليه «المالية»، يؤجل الإجابة عن السؤال الأصعب: من أين تأتي الأموال؟

الميزانية تعد بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3 في المائة من الناتج بحلول 2030، ثم 3.5 في المائة بحلول 2035. وهيلي يعد بنشر التفاصيل الكاملة التي ستأتي في مراجعة الإنفاق العام السنة المقبلة. فوزير الدفاع السابق الذي اشتكى من وزارة المالية، يؤجل، بصفته وزير المالية، فاتورة الدفاع إلى موعد آخر.

وهنا تكمن أهمية يوم الميزانية أكثر من الأرقام نفسها.

فالوزير في قدرته أن يختار ما يقوله، لكنه لا يستطيع منع البرلمان من سؤاله، ولا المعارضة من مهاجمته، ولا مكتب مسؤولية الميزانية المستقل من نشر حساباته في اللحظة نفسها، ولا الصحافة الحرة من مقارنة الكتاب الأحمر بالأزرق، والبحث عما اختبأ بين السطور.

فيوم الميزانية ليس فقط إعلاناً بتفاصيل إنفاق أموال دافعي الضرائب؛ إنه أيضاً بداية الاستجواب: من أين ستأتي الأموال؟ ومَن سيدفعها؟ ومَن سيستفيد منها؟ وهل تصمد الأرقام التي أعلنتها الحكومة بعد أن تنتهي تهنئة نوابها لأنفسهم؟

أما هدية الساحر هيلي، موديل 2026، فربما تظهر في السنة المالية المقبلة.

 

arabstoday

GMT 07:05 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

لا نهاية للأسئلة الأمريكية

GMT 07:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب المأزوم المهزوم

GMT 07:03 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الموسيقار خالد الأمير غرق في قارورة العسل!!

GMT 07:02 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

بالنقاط

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هل يتواضع الديمقراطيون عند النصر؟

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

القوة الناعمة والجاذبية المتضائلة

GMT 06:58 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

أميركا... البندول يتأرجح

GMT 06:57 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

إجبارية التقدم والفرص المتاحة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قصة ميزانيتين قصة ميزانيتين



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:04 2018 الأحد ,08 تموز / يوليو

"واتسآب" يمنح مكافآت مالية لمن يحل مشاكله

GMT 06:48 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

جولة بالصور على قصر الراحل دييغو مارادونا

GMT 11:57 2019 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

لعبة بروكسل مع الحكومات الاستقلالية النزعة

GMT 23:11 2018 الإثنين ,24 أيلول / سبتمبر

نصائح للحصول على فخدين ومؤخرة أكثر جمالاً

GMT 06:23 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

ماسك زيت السمسم لتطويل الشعر على الطريقة الهندية

GMT 14:04 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 09:56 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

فنادق فاخرة في الطبيعة الخلابة لقضاء عطلة صيفية رائعة

GMT 05:13 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

تسريحات للشعر جميلة ومميزة لتكتمل أناقتك

GMT 21:56 2020 الخميس ,04 حزيران / يونيو

الخطة الكاملة لموديلات هيونداي 2021

GMT 17:20 2020 الخميس ,10 كانون الأول / ديسمبر

إطلالات الجينز من وحي النجمات العربيّات

GMT 00:06 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

فرحة لم تكتمل في دار أزياء «فيتون»

GMT 10:14 2019 الثلاثاء ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أفلام تعرض للمساجين خلال "قرطاج" في تونس

GMT 05:50 2019 الخميس ,12 أيلول / سبتمبر

حتى لا يصبح الهلال الإيراني قمراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon