الزعيم البريطاني ووهم السياسة الخضراء

الزعيم البريطاني ووهم السياسة الخضراء

الزعيم البريطاني ووهم السياسة الخضراء

 السعودية اليوم -

الزعيم البريطاني ووهم السياسة الخضراء

بقلم: عادل درويش

 

أخيراً، استبدل رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك بقبعة التكنوقراطي، قبعة زعيم يرفع راية الأغلبية الصامتة الذين تتجاهلهم النخبة الليبرالية المسيطرة على مؤسسات صناعة الرأي.

إعلان رئيس حكومة المحافظين الأربعاء الماضي، تعديل خطط الحكومات الأربع المتعاقبة حسب قانون التغيير المناخي - جاء لصالح طبقات الدخل المحدود لإنهاء الضرائب والرسوم التي فرضتها خطط القانون الذي أصدرته آخر حكومة عمالية في 2008.

في أهم إجراء منذ دخوله رقم 10 دوانينغ ستريت قبل أحد عشر شهراً، اتخذ سوناك خطوة لم يجرؤ عليها سابقوه الأربعة؛ ليس بتوجهه إلى عقول وقلوب الناخبين فحسب، بل أيضاً بوضع فاصل واضح بين سياسة حزبه المحافظ وسياسة المعارضة العمالية (وحلفائها كالديمقراطيين الأحرار والقوميين الأسكوتلنديين).

خاطب العقول - التي تضع العلامة على البطاقة الانتخابية بحسابات المصالح الاقتصادية والخدمات والنقود اللازمة لدفع المصروفات الأساسية - بذكره الحقائق والأرقام عن التكلفة الحقيقية للسياسة الخضراء، لإنهاء عوادم المحروقات بمعادلة الصفر البيئي (التي لا يفهمها غالبية الناخبين حسب الاستطلاعات)، والتي تتحملها الطبقات الأفقر في المجتمع. أعلن سوناك قراره بتأجيل حظر بيع السيارات والشاحنات بمحركات الاحتراق الداخلي لخمسة أعوام (من 2030 إلى 2035)، وجعل عدة التزامات أخرى اختيارية لا إجبارية.

خاطب القلوب بكشف التضليل الذي مارسته المؤسسات الصحافية وشبكات البث الكبرى (التي تستحوذ على أكثر من ثلاثة أرباع أرقام المشاهدين والمستمعين والقراء - وتقع تحت سيطرة اليسار الليبرالي المهووس آيديولوجياً بقضايا البيئة)، مما منحه مصداقية وقبولاً شعبياً لدى أغلبية لا تثق في هذه الوسائل الصحافية أصلاً. كما أعلن إلغاء الالتزامات الإجبارية التي فرضتها سياسة التوصل إلى معادلة الصفر، ومنها: تغيير غلايات التدفئة المنزلية بالغاز والزيت إلى أخرى كهربائية بالهواء الساخن، وإلزام ملاك عقارات الإسكان بإجراء تعديلات وتحديثات تتكلف مصاريف باهظة كشرط لاستصدار شهادة خضراء للسماح بتأجيرها. وقال سوناك إن الأمر سيكون متروكاً لقرار الناس اختيارياً عندما يوازنون بين العائد من تغيير الأدوات المنزلية والسيارات، وأنماط الاستهلاك، وبين التكلفة الاقتصادية لهذا التغيير فيختارون الوقت المناسب. والإنجليز قوم يفضلون الحكومة التي تعاملهم كبالغين كبار تترك لهم حرية الاختيار على الحكومة التي تتدخل في شؤون حياتهم وتفرض عليهم سياسات إجبارية.

في استطلاع للرأي بعد خطاب سوناك، قال أكثر من خمسين في المائة من الناخبين إنهم مغتبطون من تغييرات سوناك، مقابل 23 في المائة فقط غير موافقين على ما وصفته الصحافة اليسارية بـ«التراجع في التزامات البيئة».

مقابلة مذيع شهير من محطة راديو «بي بي سي» السياسية مع رئيس الحكومة سوناك صباح الخميس، كانت بمثابة عدسة مكبرة كشفت الهوة التي تفصل بين مؤسسة صناعة الرأي العام بحملتها المهووسة بالتغيير المناخي، وبقية الشعب، عندما عكس الزعيم البريطاني الهجوم، إذ كان مسلحاً بالأرقام والحقائق، والمذيع يحاول إيقاعه بمراوغة كلامية وشعارات آيديولوجية عن البيئة. فمثلاً أوضح سوناك أن تكلفة استبدال غلاية التدفئة التقليدية من الغاز إلى الكهرباء، تتراوح بين 13 ألفاً و17 ألف دولار؛ والاعتماد كلية على توربينات توليد الطاقة من الرياح والاستغناء عن الغاز والبترول من الحقول البريطانية، يعني بطالة آلاف العاملين البريطانيين، لأن أجزاء التوربينات تصنع في الصين التي تستخدم الفحم والمحروقات في إنتاجها. أوضح أيضاً ما لم تذكره «بي بي سي» وأخواتها أن كندا وأميركا وبلدان أوروبا؛ وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، أجلت حظر إنتاج سيارات محركات الاحتراق الداخلي إلى 2035 قبل بريطانيا، وأن بريطانيا في الأعوام العشرين الأخيرة سبقت بلدان أوروبا وكندا وأميركا في تخفيض إنتاج عادم المحروقات إلى نحو سبعين في المائة مما كان عليه، بينما البلدان الأخرى تتراوح ما بين ثلاثين وخمسين في المائة.

سوناك شرح أيضاً سياسة إلغاء إلزام أصحاب العقارات الإسكانية (الذين تشيطنهم الصحافة اليسارية) بإنفاق آلاف الجنيهات على «الإصلاحات الخضراء»، لأنها تضر بالمستأجرين، فصاحب العقار إما يضطر إلى تعويض ما أنفقه برفع إيجار المسكن، أو لا يعرض المسكن للإيجار أو يبيع العقار، مما يؤدي إلى نقص العدد المعروض من المساكن، ونقص العرض مع زيادة الطلب يعني أيضاً رفع سعر الإيجار. مع ذكر سوناك أمثلة كثيرة لا يتسع المجال لعرضها، كلها يطيب لها إسماع الطبقات الأقل حظاً في المجتمع والمتضررين من السياسة الخضراء.

المنتفعون من تطبيقات مشروعات الطاقة الخضراء (الممولة من ضرائب الفقراء والرسوم الإضافية على فواتير الطاقة) والتزامات يفرضها قانون التغير المناخي لعام 2008، يلوحون باللجوء للقضاء لمنع تطبيق إجراءات سوناك الإصلاحية على السياسة، بحجة أنها تخرق القانون. الوسائل الصحافية الليبرالية واليسارية تقارن المنازلة السياسية المتوقعة بالمعركة حول «بريكست»، عندما فصلت المحكمتان العليا والسامية، وأغلب قضاتهما من الليبراليين، في القضايا لصالح البقائيين في الاتحاد الأوروبي.

سوناك، في هذه الحالة غالباً سيواجه التحديات من تيارات المنتفعين من السياسة الخضراء ومن المهووسين بها آيديولوجياً في المحكمة. وحتى إذا خسرت حكومته القضايا، فيمكنه التوجه مباشرة إلى الشعب بخوض الانتخابات المقبلة على هذه التذكرة، فلا سلطان فوق إرادة الشعب في صناديق الاقتراع.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الزعيم البريطاني ووهم السياسة الخضراء الزعيم البريطاني ووهم السياسة الخضراء



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف

GMT 06:16 2012 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مستمرة بالتقدم رغم صعوبة كفاح السينما العربية

GMT 22:43 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2017

GMT 13:51 2017 الإثنين ,17 تموز / يوليو

فشل الارهاب و سقوط الاقنعة

GMT 17:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

فوائد زيت النعناع الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon