إثيوبيا البيان بالعمل

إثيوبيا... البيان بالعمل

إثيوبيا... البيان بالعمل

 السعودية اليوم -

إثيوبيا البيان بالعمل

عثمان ميرغني
بقلم - عثمان ميرغني

في العلاقات الدولية لا تكفي النبرة مهما بدت مطمئنة؛ المعيار هو ما يُترجم إلى سياسات. وحين تحدث رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد هذا الأسبوع عن أن بلاده لا تحمل «نوايا توسعية»، وأنها تريد شراكة لا مواجهة، وأن تطوير النيل لن يكون على حساب جيرانها، فإن اللغة بدت هادئة ومدروسة. موزونة في مفرداتها. دقيقة في توقيتها عشية شهر رمضان. إنها بلاغة تهدئة.

لكن في الجغرافيا السياسية، لا سيما في منطقة قابلة للاشتعال مثل حوض النيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، تبقى البلاغة من دون تأثير ما لم تُجسد في تحولات سياسية قابلة للتحقق.

بالنسبة للسودان ومصر، النيل ليس مشروعاً تنموياً، بل مسألة بقاء. وقد غيّر بناء وتشغيل سد النهضة التوازن الهيدرولوجي للحوض جذرياً. تؤكد أديس أبابا أن السد مشروع سيادي للتنمية لن يضر بدول المصب، غير أن مراحل الملء الأحادي، التي أُنجزت من دون اتفاق ثلاثي ملزم، عمّقت الشكوك بأن إثيوبيا تمنح الأفضلية لأوراق الضغط على حساب التوافق.

إذا كانت تطمينات آبي أحمد جدية، فإن المطلوب واضح: اتفاق ملزم قانونياً بشأن قواعد الملء والتشغيل، يتضمن آليات لتسوية النزاعات، وتبادلاً فورياً للبيانات وبروتوكولات لإدارة فترات الجفاف. فمصر تطلب ضماناً لأمنها المائي، خصوصاً في فترات الجفاف، والسودان يحتاج إلى ضمان تدفق المعلومات لمنع صدمات هيدرولوجية تهدد سدوده وأراضيه. الشفافية هنا ليست تنازلاً، بل شرط الثقة.

إثيوبيا ذاتها ستكون المستفيد الأكبر من اتفاق ملزم، لأن الاستثمار في الطاقة الكهرومائية يحتاج إلى بيئة مستقرة لا إلى توتر دائم.

المشكلة أن خطاب آبي أحمد حوى في ثناياه عدداً من التناقضات. فهو من ناحية يقول إن النهر «هبة إلهية مشتركة» ينبغي أن تُدار لمنطق التعاون، ثم يمضي ليتحدث عن أن استثمار إثيوبيا لمواردها المائية «يأتي في إطار حق سيادي مشروع».

كذلك يقول إن بلاده لا تريد فرض واقع أحادي، في حين أنها تجاهلت مطالب السودان ومصر ومضت في تشييد السد وفي عمليات ملئه بشكل أحادي وبمواقف تفاوضية متصلبة.

وحديثه في الخطاب عن أن بلاده لا تحمل أطماعاً جغرافية يناقض ما تقوم به في الفشقة، مثلما أن كلامه عن أن أي تحرك لبلاده في شأن البحث عن منفذ بحري سيبقى محكوماً بمبدأ احترام سيادة الدول، يتناقض مع تهديدات حكومته وتلويحها باستخدام القوة.

ما يزيد من تقويض تطمينات آبي أحمد الكلامية هو التقارير التي كشفت أن إثيوبيا شيدت معسكرات تدريب لعناصر من «قوات الدعم السريع». بالنسبة للحكومة السودانية، هذه ليست مسألة هامشية؛ إنها وجودية. فاستمرار الصراع، ومواصلة دعم وتدريب جماعات مسلحة خارجة عن سلطة الدولة المركزية والجيش الوطني، هو إنهاك للسودان وتدمير لمقدراته وانتهاك لسيادته.

خريطة الطريق واضحة أمام إثيوبيا إذا أرادت أن يصدقها السودان. أولاً، يمكنها أن تسمح بتحقيق مستقل، عبر مراقبين دوليين، لإثبات أن أراضيها لا تُستخدم لتدريب أو تسليح جهات تزعزع استقرار السودان. ثانياً، على أديس أبابا أن تؤكد صراحة دعمها لوحدة السودان وسلامة أراضيه، وأن تُطابق دبلوماسيتها مع مبدأ عدم التدخل.

النزاع الحدودي بين إثيوبيا والسودان في منطقة الفشقة يظل أيضاً مصدراً للقلق، ويظهر التناقض بين الأفعال والأقوال.

ثم هناك مسألة المنفذ المائي على البحر الأحمر. لقد دأب آبي أحمد على توصيف الوصول إلى البحر الأحمر بوصفه «ضرورة وجودية حيوية»، وأرفق كلامه أحياناً بالتلويح باستخدام القوة لتحقيق هذا الهدف. فعندما توحي الخطابات الإثيوبية باستعادة وصول تاريخي إلى البحر الأحمر، أو عندما تبدو المقترحات ماسة بسيادة إريتريا والصومال، تُقرع أجراس الإنذار لا في أسمرة ومقديشو وحدهما، بل في الإقليم بأسره. البحر الأحمر ليس مجرد خط ساحلي؛ إنه شريان جيواستراتيجي بالغ الأهمية، وأي زعزعة للاستقرار ستكون تهديداً مباشراً للأمن إقليمياً ودولياً. وإسرائيل ليست بعيدة عن هذا المشهد، بل تتحرك فيه سراً وعلانية.

خريطة الطريق هنا تتطلب وضوحاً في الوسيلة. إذا كانت إثيوبيا تسعى إلى منفذ بحري، فعليها أن تفعل ذلك حصرياً عبر شراكات اقتصادية تعاقدية قائمة على التراضي، لا عبر سرديات تاريخية أو إشارات قسرية.

وأخيراً، يجب التعامل مع الأمن الإقليمي بصورة شاملة. إدارة النيل، وحرب السودان، وسيادة إريتريا والصومال، وأمن الملاحة في البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، كلها متداخلة.

الثقة في العلاقات الدولية لا تُبنى بالبلاغة، مهما بلغت فصاحتها، بل بما يُوقع عليه ويُلتزم به. ليست المشكلة في اللغة التي يستخدمها آبي أحمد، بل في الفجوة بين الخطاب والواقع. تستطيع إثيوبيا أن تطمئن جيرانها بخطاب متوازن، لكن الطمأنينة الحقيقية لا تُبنى إلا باتفاقات ملزمة، وآليات شفافة، وخفض تصعيد يمكن قياسه. وفي منطقة مثقلة بالأزمات، إما أن تتقدم الأفعال على الأقوال فتتراكم الثقة، وإما يبقى الشك هو القاعدة، والاستقرار هو الاستثناء.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إثيوبيا البيان بالعمل إثيوبيا البيان بالعمل



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:52 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا
 السعودية اليوم - السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف

GMT 06:16 2012 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مستمرة بالتقدم رغم صعوبة كفاح السينما العربية

GMT 22:43 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2017

GMT 13:51 2017 الإثنين ,17 تموز / يوليو

فشل الارهاب و سقوط الاقنعة

GMT 17:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

فوائد زيت النعناع الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon