خطاب التأجيج وخطاب السلام

خطاب التأجيج وخطاب السلام!

خطاب التأجيج وخطاب السلام!

 السعودية اليوم -

خطاب التأجيج وخطاب السلام

بقلم - عثمان ميرغني

زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن للمنطقة كانت محكومة بالفشل قبل أن تبدأ، لا بسبب مذبحة المستشفى الأهلي في غزة التي أثارت غضباً عارماً، وأدت لإلغاء القمة الرباعية التي كان يفترض أن تجمعه في عمان بالرئيس المصري والعاهل الأردني والرئيس الفلسطيني، وإنما بسبب الخطاب الذي تبنته إدارته والمواقف التي اتخذتها منذ تفجر الأوضاع بعد عملية «حماس».

ليس غريباً أن تتخذ الإدارات الأميركية مواقف داعمة لإسرائيل، ومدافعة عن أمنها بلا حدود، لكن إدارة بايدن ذهبت أبعد بكثير، وتبنت خطاباً فاجأ الكثيرين في حدته، وأثار التساؤلات حول مدى الحكمة في أن تقود واشنطن العديد من العواصم الغربية في تبني لهجة لا يمكن أن تؤدي إلا إلى مزيد من التأجيج لوضع ملتهب يمكن لنيرانه أن تتمدد وتتسع. رمت الإدارة بكل ثقلها وراء إسرائيل بلا قيود، وأعطتها الضوء الأخضر كي تفعل ما تريد، بل إنها حذرت دبلوماسييها من استخدام عبارات «وقف التصعيد، ووقف إطلاق النار، أو إنهاء العنف ووقف سفك الدماء، أو استعادة الهدوء» على أساس أن هذه العبارات لا تتماشى مع سياسة واشنطن الراهنة، وفقاً لمذكرة مسربة من الخارجية الأميركية نشرها موقع «هاف بوست» أو «هافنغتون بوست» كما كان يعرف سابقاً.

لذلك فإن كثيرين في المنطقة اعتبروا أن زيارة بايدن لن تتجاوز تأكيد التضامن مع إسرائيل ووقوف إدارته إلى جانبها. فحتى لو أنه جاء أيضاً، كما ردد بعض المسؤولين، لمنع تحول الأزمة إلى حرب واسعة في المنطقة، وللعمل على وصول المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة الذين يعانون تحت وطأة الحصار الشامل، والقصف المتواصل، فإن استمراره في خطابه الداعم للعمليات الإسرائيلية بلا قيود، عزز قناعة غالبية الرأي العام في المنطقة بأن سياسة واشنطن هذه تؤجج الوضع، وتشجع إسرائيل على المضي في استخدام العنف الذي تجاوز حق الرد ووصل إلى أعتاب التدمير الكامل لغزة، والإبادة العشوائية للفلسطينيين، ودفع المنطقة نحو حافة وضع قابل لانفلات كبير.

إسرائيل أعلنت أن هدفها إبادة «حماس» تماماً، وتدمير قدراتها العسكرية، وإنهاء سيطرتها وحكمها في القطاع، لكن ما تقوم به الآن يتجاوز ذلك إلى العقاب الجماعي لغزة، ومحاولة تهجير سكانها ودفعهم للنزوح نحو مصر كما عبّر عن ذلك صراحة متحدث عسكري إسرائيلي. فهناك جهات كثيرة في إسرائيل، وبشكل خاص في أوساط اليمين المتطرف، تعمل لتصفية القضية الفلسطينية، وخلق نكبة جديدة، وتراودها أفكار الدفع بمشروع الوطن البديل في سيناء وفي الأردن، أو في أي مكان آخر حتى ولو بفتح أبواب الهجرة لهم في أميركا.

هذه الأفكار لن تكون حلاً كما تتمنى أطراف في إسرائيل، بل ستأتي بنتائج عكسية وستقود إلى مزيد من التأجيج للأوضاع في المنطقة. فإذا تمكنت الآلة العسكرية الإسرائيلية الضخمة من تدمير قدرات «حماس» والحركات المتحالفة معها، وقامت بتصفية قياداتها الميدانية، فإن الفراغ سيملأه آخرون ربما يكونون أكثر تشدداً لأنهم نتاج الفظائع التي ترتكب اليوم، والأوضاع المزرية التي تعيشها غزة منذ فترة طويلة.

أما إذا فكرت إسرائيل في احتلال الجزء الشمالي من القطاع بدعوى إنشاء منطقة عازلة أو حزام آمن، أو تحت أي اسم آخر، فإن العواقب ستكون وخيمة، وقد سارع كثيرون لتحذيرها من الإقدام عليها. حتى الرئيس جو بايدن، الذي دعم حق إسرائيل في الرد بلا قيود، سارع إلى تحذير نتنياهو من أن أي تفكير في احتلال غزة سيكون خطأ كبيراً. هذا التحذير لم يأتِ من فراغ، وأميركا لديها بالتأكيد معلومات، وحضور رئيسها إلى المنطقة وزيارته لإسرائيل التي كان يفترض أن تعقبها القمة الرباعية الملغاة، دليل على أنها، أي أميركا، على الرغم من تأييدها المطلق لحق إسرائيل في الرد، فإنها لا تريد خطوات تدفع الأمور نحو منعطف أخطر يمكن أن يؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتوسيع رقعتها، والمزيد من التعقيد في قضية الشرق الأوسط المتشابكة الخيوط أصلاً.

إسرائيل ذاتها لو تأنت بالتفكير فإنها سوف تستذكر لماذا قرر أحد صقورها وهو آرييل شارون الانسحاب من غزة وفك الارتباط بها وإخراج المستوطنين اليهود منها، وفق تفكير أمني بحت بعدما وجد أن تكلفة البقاء في القطاع وتوفير الحراسة لأي بؤر استيطانية فيها، ستكون باهظة، ولن تخدم أمن إسرائيل.

أما أي توجه إسرائيلي لخلق نكبة جديدة وتهجير سكان غزة إلى سيناء، فإنه لن يواجه مقاومة فلسطينية، ورداً مصرياً قوياً وحازماً فحسب، بل سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، وتقويض معاهدات السلام السابقة، وآمال إحياء عملية السلام المتعثرة وربما وأدها تماماً لسنوات طويلة.

هذه الأوضاع الملتهبة لا تحتاج إلى خطاب ومواقف وسياسات تزيد في تأجيجها، لا سيما من حلفاء إسرائيل وأصدقائها في الغرب. فاستمرار دوامة العنف والقتل والدمار لن يؤدي إلى تحقيق أمن إسرائيل. السلام وحده يمكن أن يحقق ذلك، وهو ما يتطلب إنهاء تجاهل المجتمع الدولي معاناة الفلسطينيين المستمرة والمتفاقمة، وإنهاء التهميش الحاصل الآن لقضيتهم، وتوجيه الجهود نحو تحريك العملية السلمية المعطلة منذ فترة طويلة، وهو ما يمكن لإدارة بايدن أن تقوم بدور كبير فيه لو أرادت، بدلاً من دعمها غير المشروط لنتنياهو الذي ترتفع أصوات قوية في إسرائيل لتنحيته بوصفه غير صالح للقيادة، لأنه يريد إنقاذ نفسه من ورطة الفشل الاستخباراتي الكبير في ظل حكومته، ومن ورطاته السابقة التي تهدد بإرساله إلى السجن.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

خطاب التأجيج وخطاب السلام خطاب التأجيج وخطاب السلام



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:52 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا
 السعودية اليوم - السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف

GMT 06:16 2012 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مستمرة بالتقدم رغم صعوبة كفاح السينما العربية

GMT 22:43 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2017

GMT 13:51 2017 الإثنين ,17 تموز / يوليو

فشل الارهاب و سقوط الاقنعة

GMT 17:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

فوائد زيت النعناع الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon