أرض الجرمنت رحلة العبور إلى البداية

أرض الجرمنت... رحلة العبور إلى البداية

أرض الجرمنت... رحلة العبور إلى البداية

 السعودية اليوم -

أرض الجرمنت رحلة العبور إلى البداية

عبد الرحمن شلقم
بقلم - عبد الرحمن شلقم

عبورٌ طويلٌ يصنع من الصخور السوداء زمناً. المكان صمتٌ متجمّد، لكن الكلماتِ تبحر فيه بمتعةٍ تنتعش حروفها، لتتدفق روافدَ في نهر التكوين القديم. هي مغامرة أبدعت تفردها، وزرعت في ماضٍ متجمّد بذور حياة، أورقت شعراً وروايات سرت فوق الجبال، وغاصت في أنهار تاريخ ليبيّ سحيق، جعلَ من الجماد شاهداً لا يصمت. شابَّان ليبيان هما محمد عبد الله الترهوني وحمزة محمود الفلاح، تجشَّما عناءَ رحلة طويلة لاستكشاف ما كانَ حياة تموج بالتكوين والتعبير والفعل، وأودعت في الحواس الطبيعية ما كان لها وبها. بدأت رحلتُهما من مدينة سوكنة بوسط ليبيا، ومنها إلى مفرداتِ الجنوب الليبي الحجرية، في امتدادِ الصحراء، حيث الفِراشُ حصاة، والغِطاءُ جبالٌ عاليةٌ بصخورٍ بركانيَّةٍ سوداء، سمَّاها الليبيون الجبالَ السوداء. في مجلد ضم 450 صفحة، زيَّنتها لوحاتٌ مصورة ومرسومة، بطباعة فاخرة، ومذيل بعشرات المراجع الأجنبية، قدَّم الشابان عملاً كان الشعرُ ثالثَهما فيه. في الصَّفحات الأولى لمجلد «أرض الجرمنت»، عرض المؤلفان الأبعاد النظرية لرحلتهما في الصحراء الليبية، والهدف المبتغى من الرحلة كان الوصول إلى أرض البداية، جرمة المدينة التي أسست حضارة قديمة، قبل ميلاد المسيح بمئات السنين. في الصفحات الأولى من الكتاب تطالعنا سطور طويلة، تلقي ضوءاً على دوافع هذه الرحلة، التي حطَّت رحالَها حروفاً وصوراً ورسومات في هذا المجلد الفخم الضخم. في الصفحة 28 من الكتاب، قدم المؤلفان عنواناً سمَّياه «مفهوم الأركيوشعرية»، أجابا فيه عما يعانيه علم الآثار اليوم من غياب في ليبيا، وبسبب هذا الغياب «فقدنا ذوق المسافر، وحلم الطريق، فقدنا روعةَ شعرية التَّرحال. وللخروج من هذه الأزمة، كان علينا أن نخترع طريقةً تمنح علم الآثار فرصة الظهور، في مساحة تسطع فيها شمس الرمال والحجارة وقبور الموتى. هذه المنطقة هي مكان المتعلق بالأرض، بطريقة حساسة وذكية. هذا المفهوم اخترت أن أطلق عليه (أركيوشعرية) على غرار تخصصات أخرى، مثل الجغرافيا الشعرية. وهذا المجال يكسر الحاجز بين علم الآثار والتاريخ والأدب والأنثروبولوجيا، والجيولوجيا والبيئة، لخلق نصّ جديد متعدد التخصصات، ومفتوح على ما كان في الماضي».

يستمر الكاتبان في شرح ما ذهبا إليه من اجتراح لمصطلح جديد مركب من الحفر أو البحث في مكونات الماضي الأثري، ودمجه بكلمة الشعر، كي يُصار إلى إضافته لعائلةِ العلوم. وإذا سألنا أخوَينا الكاتبَين المبدعَين المجتهدَين عن الدَّافع أو المبرر لهذا الاختراع اللغوي، يجيباننا بما يلي: «إن المتعلق بالأرض لا بدَّ أن يمارس شكلاً من أشكال البداوة الفكرية، وأن يكونَ مقتنعاً بأنَّ علم الآثار مصدرُ إلهامٍ، وهو طريق العودة إلى ما يخصُّنا، لوضع نصّ لفظي يمثل ليبيا، وأن يضيفَ الأساطيرَ الضرورية والغامضة إلى علم الآثار. هذه الإضافة تحقق متطلبات النص في الوصول إلى بُعد آخر من اللغة. إن فهم العلاقة بالمكان يسمح للمتعلق بالأرض أن يبني متاهة حول نفسه، لتفصله عن العالم، وبدون هذه المتاهة هو حلزون بدون قوقعة. المتعلق بالأرض عليه أن يجد نصه الأركيوشعري في كل مكان، في الجداريات وما ينبثق منها، وفي النقوش وهي تُعيد للسحر القديم رونقه، وفي القبور وكيف تصف اللحظة الحيَّة للموت، وفي الأحجار المتناثرة أمام ملجأ لم يجعله مرور الزمن أقل روعة».

أراد الرحَّالان أن يعلنا مقدماً عن الهدف الذي تحركا من أجله في رحلة العبور الطويلة إلى البداية، إلى جرمة وما حولها من معالم حفرها وبناها الليبيون. بعثات آثارية أوروبية من إيطاليا وبريطانيا وألمانيا عملت في ليبيا بعد الاستقلال، وكان لمدينة جرمة نصيبٌ معتبر. عالم الآثار السوداني الدكتور محمد أيوب قادَ فريق عمل كبيراً، وخصَّصت له حكومة ولاية فزان إمكاناتٍ كبيرة بمعايير ذلك الزمن. جرت إزالة المئات من النخيل من فوق سطح المدينة القديمة، وبُنيت منظومة سكة حديدية صغيرة، لحمل التراب من الحفر العميقة من أجل الوصول إلى ما غفا قروناً في أعماق الأرض. عمل العشرات من سكان المنطقة في ذلك المشروع التاريخي الكبير. جبل زنكيكرا الذي يطل على مدينة جرمة كان المهد لذلك الكيان الذي بنى حضارة امتدت من الجنوب الليبي إلى شماله، وسادت بقوتها على أجزاء واسعة في القارة الأفريقية، وخاضت مواجهات عسكرية مع الرومان في الشمال.

أتقنت روما صناعة العجلات التي تجرها الحيوانات، وأبدعت الحفر والنقش والرسم على صخور الجبال. لا تزال صور الحيوانات التي عاشت في الزمن القديم، في تلك المنطقة التي شهدت تقنية في نقل المياه الجوفية، وعُرفت بنظام «الفقارات»، وما زالت آثارها موجودة إلى اليوم. وقف الكاتبان عند جداريات منتقاة، وتحاورا عبرها مع التاريخ إعجاباً وشعراً. من مدينة سوكنة إلى أقصى الجنوب الليبي، امتدت رحلة العبور إلى صخور الزمن في جرمة، وما نقشت ورسمت وعملت في لوحات عاشت فيها الحياة مع معزوفات الأساطير، وكانَ الصخر الأسود يكتب شعر البداية والنهاية.

arabstoday

GMT 08:12 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

النصف كاملاً

GMT 08:10 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قناة «Ten» وأغنية «آه يا قلبي»

GMT 08:07 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية حريصة على دماء الأشقاء اليمنيين

GMT 07:59 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

إسرائيل والاستبعاد على أساس الهوية

GMT 07:55 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان المبدع فاروق حسني

GMT 07:53 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

«زوزو» في الأصل بهيرة

GMT 07:51 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تقرير الانتخابات الأمريكية

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

انفصال الشارع (2)

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أرض الجرمنت رحلة العبور إلى البداية أرض الجرمنت رحلة العبور إلى البداية



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 01:18 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

عراقجي يحذر الولايات المتحدة من تداعيات اختبار إيران مجدداً
 السعودية اليوم - عراقجي يحذر الولايات المتحدة من تداعيات اختبار إيران مجدداً

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 10:58 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020

GMT 16:19 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 10:03 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2020

GMT 23:21 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

مصطفى ملائكة يُعرب عن حزنه للخسارة أمام "الاتحاد"

GMT 20:13 2023 الجمعة ,01 كانون الأول / ديسمبر

أمير عبد اللهيان يشيد بموقف رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي

GMT 18:26 2023 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

اشتباكات ضارية ومتصاعدة في يوم الحرب على مستشفيات غزة

GMT 10:14 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

التعليق الأول من بيب غوارديولا على دموع كلوب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon