كيف يقتلون بضمير مستريح

كيف يقتلون بضمير مستريح؟!

كيف يقتلون بضمير مستريح؟!

 السعودية اليوم -

كيف يقتلون بضمير مستريح

خالد منتصر
بقلم : خالد منتصر

قبل أن يقتلوا الإنسان، هناك خطوة قبل شحذ السكين، يغيرون اسم الضحية، يعلمهم أميرهم، لا تسمِّ الضحية إنساناً، سمّه حيواناً، صرصاراً، نجساً، كافراً، سرطاناً يجب استئصاله..الخ،

عندما تنجح فى تغيير الاسم، وشيطنة الشخص، تكون قد قطعت نصف الطريق إلى القتل بكل راحة ضمير، لأن الكلمات ليست مجرد أصوات نصف بها الأشياء، بل هى نظارات نرى من خلالها البشر، فى حقيبة محمد عطا، قائد إحدى مجموعات ١١ سبتمبر، التى لم تلحق بطائرته فى مطار بوسطن، عثر المحققون على وثيقة اشتهرت باسم «الليلة الأخيرة»، كما عُثر على نسخ منها مرتبطة بخاطفين آخرين، نسبتها الأغلبية لمحمد عطا، الوثيقة مذهلة فى قدرتها على جمع النقيضين: الوضوء والعطر والصلاة من ناحية، والسكاكين والاستعداد للقتل من ناحية أخرى. وفى البند الخاص بالسلاح تأتى العبارة الصادمة: «اجعل سكينك حادة، ولا تؤلم حيوانك أثناء الذبح»،

هكذا الترجمة، توقفت عند كلمة «حيوانك»، لم يعد هناك مضيف طيران له أم تنتظره، ولا مسافرة أم لها طفل ستعود إليه، اختزلت المسألة فى حيوان يستحق الذبح!، إنها ليست زلة لسان عابرة، بل هى بوابة نفسية اسمها فى علم النفس الاجتماعى: Dehumanization، نزع الإنسانية، فالإنسان الطبيعى لديه فرامل أخلاقية تمنعه من إيذاء إنسان آخر، يرى دموعه، يسمع صراخه، يتخيل ألمه، فيتأثر ويتعاطف، ولكى تستطيع الأيديولوجيا تحويل هذا الإنسان إلى قاتل، عليها أولاً تعطيل تلك الفرامل، لكن السؤال، كيف؟، بإقناعه بأن الضحية ليست مثله، بل هى فى درجة أدنى، عالم النفس ألبرت باندورا وضع هذا ضمن نظريته الشهيرة عن Moral Disengagement، فك الارتباط الأخلاقى، نحن لا نتخلص بالضرورة من أخلاقنا لكى نرتكب الشر، نستطيع بدلاً من ذلك أن نعيد وصف الشر بطريقة تسمح لنا بالاحتفاظ بصورة أخلاقية عن أنفسنا، يصبح القتل «واجباً»، والعدوان «دفاعاً»، والضحية مسؤولة عما حدث لها، ثم تأتى الخطوة الأخطر، تجريدها من صفاتها الإنسانية، لم يخترع إرهابيو سبتمبر هذه الحيلة، قبل غرف الغاز بسنوات، مهدت الدعاية النازية لاستباحة قتل اليهود، لم تقل مباشرة، اقتل جارك اليهودى، لكنها بدأت بإعادة تعريف اليهودى نفسه، أصبح فى الدعاية «طفيلياً»، و«مرضاً»، و«حشرة ضارة»، وربطته الدعاية النازية بالأوبئة والقذارة، كما حدث فى الفيلم الدعائى النازى الشهير Der ewige Jude، «اليهودى الأبدى»، وبعد نصف قرن تقريباً، كررت رواندا التجربة نفسها بمفردات أخرى، قبل وأثناء الإبادة الجماعية ضد التوتسى سنة ١٩٩٤، استخدمت إذاعة RTLM المتطرفة خطاباً يصور التوتسى كأعداء، ووُصفوا بـ«الصراصير»، وكذلك بالثعابين والحيوانات، إذن إذا أردت القتل بارتياح، فغير الاسم أولاً، جارك الذى كنت تشترى منه الخبز بالأمس ليس جاراً اليوم، إنه مجرد صرصار، والصرصار لا يحاور، بل يسحق!!، هكذا بدايات الإرهاب الجنينية، وهنا يكمن الجانب الشرير فى التلاعب باللغة، فالقاتل لا يستطيع دائماً النوم إذا قال لنفسه: «لقد قتلت أباً لطفلين»، لكنه يستطيع أن ينام بسهولة أكبر إذا أقنع نفسه: «لقد تخلصت من عدو كافر مرتد»، والأكثر خطورة أن يقنع نفسه بأنه لم يرتكب جريمة أصلاً، وإنما أدى رسالة أخلاقية أو دينية، ولهذا لا يكفى تفسير الإرهاب بأنه كراهية، المسألة أكثر تعقيداً، التنظيم المتطرف يبنى لأعضائه قاموساً جديداً، نحن وهم، مؤمن وكافر، طاهر ونجس، شهيد وعدو..الخ، وبعد فترة لا يعود عضو التنظيم يرى بشراً، وإنما يرى تصنيفات.

عندما تسمع شخصاً يختلف مع مجموعة بشرية ثم يتوقف عن تسميتهم بشراً، انتبه، عندما يصبح المختلف «حشرة» أو «خنزيراً»، أو كافراً مهرطقاً، فالمشكلة لم تعد مجرد قلة ذوق فى اختيار الألفاظ، لقد بدأ تغيير القاموس الأخلاقى، والتاريخ يخبرنا بأن السكين يصبح أخف فى اليد عندما تنجح الكلمة أولاً فى محو ملامح وهوية الضحية. فى حقيبة عطا كانت هناك سكاكين وتعليمات، لكن أخطر ما كان فى الحقيبة لم يكن السكين، كان الاسم الجديد للإنسان الذى ستذبحه السكين.

 

arabstoday

GMT 08:12 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

النصف كاملاً

GMT 08:10 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قناة «Ten» وأغنية «آه يا قلبي»

GMT 08:07 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية حريصة على دماء الأشقاء اليمنيين

GMT 07:59 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

إسرائيل والاستبعاد على أساس الهوية

GMT 07:55 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان المبدع فاروق حسني

GMT 07:53 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

«زوزو» في الأصل بهيرة

GMT 07:51 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تقرير الانتخابات الأمريكية

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

انفصال الشارع (2)

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كيف يقتلون بضمير مستريح كيف يقتلون بضمير مستريح



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 01:18 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

عراقجي يحذر الولايات المتحدة من تداعيات اختبار إيران مجدداً
 السعودية اليوم - عراقجي يحذر الولايات المتحدة من تداعيات اختبار إيران مجدداً

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 10:58 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020

GMT 16:19 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 10:03 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2020

GMT 23:21 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

مصطفى ملائكة يُعرب عن حزنه للخسارة أمام "الاتحاد"

GMT 20:13 2023 الجمعة ,01 كانون الأول / ديسمبر

أمير عبد اللهيان يشيد بموقف رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي

GMT 18:26 2023 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

اشتباكات ضارية ومتصاعدة في يوم الحرب على مستشفيات غزة

GMT 10:14 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

التعليق الأول من بيب غوارديولا على دموع كلوب

GMT 12:19 2021 السبت ,30 كانون الثاني / يناير

إليك 7 أشياء ربما لا تعرفها عن "واتس آب"

GMT 05:50 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

تقرير يكشف فوائد السمسم على صحة الجسم والبشرة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon