رجل الشرق المجنون

رجل الشرق المجنون

رجل الشرق المجنون

 السعودية اليوم -

رجل الشرق المجنون

مأمون فندي
بقلم : مأمون فندي

في القرن التاسع عشر أطلق الأوروبيون على الدولة العثمانية وصف «رجل أوروبا المريض». لم يكنِ الوصفُ إهانةً بقدر ما كان توصيفاً لحال إمبراطورية تتآكل من الداخل وتفقد السيطرة على أطرافها. كانت المشكلة مرضاً سياسياً يمكن فهم أسبابه وتحليل أعراضه. أما الجنون فحالة أخرى؛ فالمريض قد يضعف لكنه يظل قابلاً للفهم، بينما يصبح المجنون خارج حدود التوقع والمعايير التي تنظّم السلوك الإنساني.

إذا كان لا بد من وصف سياسي لإسرائيل بعد حرب الإبادة في غزة وما رافقها من عمليات عسكرية في لبنان وسوريا وإيران أيضاً، فإنَّ الوصف الأقرب هو: «رجل الشرق المجنون». ليس هذا حكماً أخلاقياً، بل محاولة لفهم ظاهرة سياسية استثنائية. فالدول لا تُعرَّف بقوتها أو ضعفها فقط، بل بمدى خضوعها للقواعد التي يخضع لها الآخرون.

منذ توماس هوبز إلى ماكس فيبر، ارتبط تعريف الدولة باحتكار العنف المشروع. لكن كلمة «المشروع» هي جوهر المسألة. فالعنف لا يصبح شرعياً لمجرد امتلاك الدولة للقوة، بل لارتباطه بقواعد وقوانين وآليات مساءلة تضبط استخدامه داخل الحدود وخارجها.

وهنا يبرز السؤال: هل خضعت إسرائيل منذ قيامها عام 1948 لمستوى المساءلة ذاته الذي تخضع له الدول الأخرى؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فنحن أمام دولة تحررت تدريجياً من القيود السياسية والقانونية التي تنظّم سلوك الدول، وانتقلت إلى ما يسميه الفكر السياسي «حالة الاستثناء».

في المفهوم الكلاسيكي، الاستثناء وضع مؤقت تلجأ إليه الدول في أوقات الأزمات الكبرى، ثم تعود بعد انتهائه إلى الحالة الطبيعية. أما حين يتحول الاستثناء إلى قاعدة دائمة، فنحن أمام ظاهرة مختلفة. وهنا تكمن فرادة الحالة الإسرائيلية.

فإسرائيل تبدو وكأنها تعيش داخل دائرة استثناء مستمرة. تستطيع أن تخوض حروباً متعددة الجبهات، بينما يتحول النقاش في كثير من العواصم الغربية من سؤال: ماذا فعلت؟ إلى سؤال: ما الذي دفعها إلى ذلك؟ والفرق بين السؤالين جوهري. الأول مساءلة للفاعل، والثاني بحث عن مبررات لفعلته.

في الحالة الأولى يُسأل الفاعل عن أفعاله، وفي الثانية يُسأل العالم عن دوافعه. وهذا ما يجعل إسرائيل حالة استثنائية في النظام الدولي.

في كتابه «الجنون والحضارة»، لاحظ ميشيل فوكو أنَّ الجنون ليس مجرد فقدان العقل، بل الخروج من منظومة القواعد التي تحكم الآخرين. والمفارقة أنَّ إسرائيل ليست معزولة كما كان يُعزل المجنون في الماضي، بل محمية. لكنها تُعامل، سياسياً، داخل فضاء مختلف عن ذلك الذي تُعامل فيه بقية الدول.

عندما غزت روسيا أوكرانيا أصبح القانون الدولي المرجعية الأساسية للنقاش. وعندما يتصاعد التوتر حول تايوان يعود الحديث عن النظام الدولي وقواعده. أما في الحالة الإسرائيلية، فيتراجع القانون الدولي لصالح سرديات الدفاع عن النفس أو المظلومية التاريخية. وتصبح النوايا المفترضة أهم من الوقائع القائمة، والمخاوف المحتملة أهم من نتائج الأفعال الجارية.

سياسياً، أنتج هذا الوضع ما يمكن تسميته «الحصانة الاستراتيجية»؛ أي الاعتقاد بأنَّ الدعم الغربي لإسرائيل لا يرتبط بما تفعله بقدر ارتباطه بما تمثله. وهنا يكمن الخطر.

فعندما تقتنع دولة بأنَّ تكلفة الفعل أقل من تكلفة الامتناع عنه، تصبح أكثر ميلاً للمغامرة. وعندما تتيقن أنَّ حلفاءها سيبررون أفعالها مسبقاً، تتراجع أهمية الحسابات التقليدية التي تضبط سلوك الدول.

التاريخ يعلمنا أنَّ القوى الكبرى لا تتعثر بسبب الضعف وحده، بل بسبب اقتناعها بأنَّ القواعد لم تعد تنطبق عليها. روما وصلت إلى تلك اللحظة، وفرنسا النابليونية عرفتها، وكذلك ألمانيا في مراحل مختلفة من تاريخها.

كل قوة تبدأ في التعثر عندما تخلط بين التفوق والحصانة.

لذلك فإن وصف إسرائيل بأنَّها «رجل الشرق المجنون» لا يتعلق بعقل الإسرائيليين أو ثقافتهم أو مجتمعهم، بل بوضع سياسي فريد: دولة قوية تتصرف كما لو أنها خارج دائرة المساءلة التي يخضع لها الآخرون.

كان «رجل أوروبا المريض» مشكلة لأنه كان ينهار. أما «رجل الشرق المجنون» فتكمن مشكلته في اعتقاده أن حدود القوة هي حدود العالم نفسه.

وما بين المرض والجنون فرق كبير. فالمريض يحتاج إلى علاج، أما من اعتاد الإفلات من المساءلة فيحتاج أولاً إلى من يذكّره بأن العالم لا يقوم على القوة وحدها، بل على القواعد التي تجعل التعايش ممكناً.

arabstoday

GMT 01:04 2026 الإثنين ,06 تموز / يوليو

بلاد كولومبوس... التهافت على هوليوود

GMT 01:02 2026 الإثنين ,06 تموز / يوليو

«ألا يخجلون من قاسم وصدام والعارفيْن؟»

GMT 00:59 2026 الإثنين ,06 تموز / يوليو

لماذا هاج الحوثي الآن؟

GMT 00:54 2026 الإثنين ,06 تموز / يوليو

«الفراعنة» و«أسود الأطلس» في قلوب العرب

GMT 00:51 2026 الإثنين ,06 تموز / يوليو

زلازل فنزويلا!

GMT 00:49 2026 الإثنين ,06 تموز / يوليو

قال الرئيس نصًا

GMT 00:03 2026 الأحد ,05 تموز / يوليو

بلاد كولومبوس... 250 عاماً

GMT 00:01 2026 الأحد ,05 تموز / يوليو

حمزة الجمرك

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رجل الشرق المجنون رجل الشرق المجنون



فساتين الكروشيه تتربع على عرش الموضة الصيفية النجمات

بيروت ـ السعودية اليوم

GMT 02:26 2026 الثلاثاء ,07 تموز / يوليو

بنتلي تطلق أول سيارة رياضية كهربائية بالكامل
 السعودية اليوم - بنتلي تطلق أول سيارة رياضية كهربائية بالكامل

GMT 18:06 2026 الإثنين ,06 تموز / يوليو

تهديد جديد من ترامب يضع إيران أمام خيارين

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 07:26 2018 الثلاثاء ,25 كانون الأول / ديسمبر

إيران تخفض موازنة الجيش والحرس الثوري والباسيج إلى النصف

GMT 02:39 2017 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

جيانلويجي بوفون يأمل أن يصل منتخب بلاده إلى المونديال

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 07:52 2018 الأربعاء ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

إلغاء منح الجنسية

GMT 21:28 2018 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

مناقشة رواية "قطنا" في جناح معهد جوتة في معرض الكتاب

GMT 10:33 2018 الأربعاء ,03 كانون الثاني / يناير

"جمهور الاتحاد" في المدينة المنورة يقيم احتفالية السبت

GMT 05:38 2014 الأربعاء ,17 كانون الأول / ديسمبر

هبة عرفة تتمرد على أزياء الشتاء التقليدية بالألوان المبهجة

GMT 14:49 2020 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

مهرجان "إيكس أن بروفانس" في نسخة رقمية

GMT 16:41 2019 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

ركاب سفينة سياحية "يقترعون" على تغيير مسار رحلتهم

GMT 21:39 2019 الأحد ,07 تموز / يوليو

عطور عربية للرجال تأسر القلوب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon