«اتفاقية مكة» وطبقات الردع

«اتفاقية مكة» وطبقات الردع

«اتفاقية مكة» وطبقات الردع

 السعودية اليوم -

«اتفاقية مكة» وطبقات الردع

مأمون فندي
بقلم : مأمون فندي

خلال العام الماضي، سيطر مفهوم «هيدجينغ»، أو التحوّط الاستراتيجي، على جانب مهم من الكتابات الأميركية عن السياسة الخارجية السعودية. وفي عدد مايو - يونيو (أيار - حزيران) من «فورين أفيرز»، طرح ماريا فانتابييه وفالي نصر السؤالَ بصورة مباشرة: هل ستستمر السعودية في سياسة التحوّط؟ مراجعجغرافية

الفكرة، باختصار، أن الرياض لا تريد وضع كل أوراقها في سلة واحدة: تحافظ على تحالفها مع الولايات المتحدة، وتوسع علاقاتها مع الصين، وتفتح قنوات مع إيران، ولا تريد هيمنة إيرانية أو إسرائيلية على الإقليم. إنها تنوّع العلاقات لتقليل مخاطر الاعتماد على قوة واحدة.

هذه عدسة مفيدة، لكنها، في رأيي، لم تعد كافية لفهم ما يحدث، خصوصاً بعد اتفاق مكة.

«اتفاقية مكة» للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تحتاج إلى عدسة أخرى. التحوّط يصف كيف تتحرك دولة بين قوى مختلفة، أما ما يحدث الآن فهو أقرب إلى هندسة أمنية جديدة تقوم على الردع متعدد الطبقات. هناك فارق بين توزيع الرهانات وبين تصميم البناء.

ومن هنا يكون المدخل الأفضل لفهم «اتفاقية مكة» هو النظر إليه من الرياض أولاً، ثم توسيع العدسة إلى الإقليم.

من المنظور السعودي، لا يبدأ الأمن من الصفر. هناك علاقة أمنية وعسكرية ممتدة مع الولايات المتحدة. لم يلغها الاتفاق الجديد، وفوق هذه الطبقة جاءت «اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك» السعودية - الباكستانية التي وُقعت في الرياض في 17 سبتمبر (أيلول) 2025. والآن تدخل تركيا طبقة أخرى في البناء.

المسألة إذن ليست استبدال مظلة بمظلة، وإنما الانتقال من المظلة إلى الطبقات؛ من الضامن الواحد إلى تعدد الضمانات، ومن الردع أحادي المصدر إلى ردع متعدد الطبقات.

أما عدسة الهندسة الأمنية فتطرح سؤالاً مختلفاً: كم طبقة من الردع تستطيع الدولة أن تبني، بحيث لا يؤدي اهتزاز طبقة واحدة إلى انحلال البناء؟ الولايات المتحدة طبقة، وباكستان طبقة، وتركيا طبقة. ولا تؤدي الطبقات الوظيفة نفسها: أميركا قوة عظمى وضامن تاريخي، وباكستان قوة عسكرية نووية ذات علاقة استراتيجية عميقة بالسعودية، وتركيا قوة إقليمية وعضو في حلف شمال الأطلسي، بما يجعلها جسراً بين المنظومة الأطلسية القديمة والبنية الإقليمية الجديدة. وهناك عدسة ثانية للاتفاق: طبيعته المؤسسية.

فحسب ما كتبه وكيل وزارة الخارجية السعودي الدكتور رائد قرملي، وهو أستاذ سياسة قبل أن يكون دبلوماسياً، فإن الاتفاق ليس نادياً مغلقاً للدول الثلاث، كما أنَّه ليس تحالفاً طائفياً أو نووياً. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأنَّ المؤسسة، بخلاف الصفقة، قابلة للاتساع.

لذا، نحن أمام محاولة لبناء نظام أمني إقليمي.

أما العدسة الثالثة فهي عدسة الخصم، لأن الردع لا يبدأ عند إطلاق الصاروخ الأول، بل في عقل من يفكر في إطلاقه. اتفاق يقوم على أن الاعتداء على طرف يدخل في الحسابات الأمنية للأطراف الأخرى، يغيّر حسابات الخصم، حتى قبل معرفة التفاصيل العملياتية. فالطبقات لا تضيف قوة فقط، إنها تضيف عدم اليقين إلى حسابات الطرف الآخر. ومن هذه العدسة يجب النظر إلى إيران أيضاً. تاريخ

إيران حاضرة بالتأكيد في الحسابات السعودية، ببرنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي وتجربتها في الحرب غير المباشرة. لكن بناء طبقات الردع لا يعني إغلاق باب طهران. السياسة السعودية تبدو أقرب إلى معادلة: ردع مع إبقاء الهاتف مفتوحاً. رفع تكلفة المغامرة، مع الحفاظ على الاتصال لمنع الحرب.

وهذه ليست مفارقة، بل إحدى سمات النظام الجديد: تستطيع الدولة أن تردع طرفاً في مساحة، وتتفاوض معه في مساحة أخرى.

تبقى العدسة الأخيرة: إسرائيل.

تحدث بنيامين نتنياهو طويلاً عن «شرق أوسط جديد»، وكان الافتراض أن إسرائيل هي التي تشكل الشرق الأوسط الجديد. لكن الشرق الأوسط الجديد كما تجلَّى أمامنا تشكله السعودية وتركيا وباكستان، دول ترسم الآن خطاً مهماً في الخريطة الإقليمية، وإسرائيل ليست طرفاً فيها. ولا يحتاج الاتفاق إلى أن يكون موجهاً ضدها حتى يصبح غيابها ذا دلالة.

أحياناً لا تكون أهم علامة على تغير النظام الإقليمي هي من يجلس إلى المائدة، بل من يستطيع الآخرون ترتيب المائدة من دون وجوده على الطاولة.

لهذا ربما حان الوقت لتغيير العدسة. التحوّط فسّر مرحلة كانت السعودية توسع فيها خياراتها داخل النظام القائم. أما «اتفاقية مكة» فتشير إلى شيء آخر: السعودية لا توسع خياراتها داخل البناء فحسب، بل تشارك في إعادة تصميمه. طبقة أميركية لم تختفِ، وطبقة باكستانية أضيفت، وطبقة تركية تدخل الآن، وقد يدخل من يدخل غداً. السؤال إذن هو: كيف تبني دولة أمنها بحيث لا يصبح رهينة ضمانة واحدة؟

السعودية لا تغيّر المظلة؛ إنها تغيّر هندسة المبنى كله.

 

arabstoday

GMT 08:12 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

النصف كاملاً

GMT 08:10 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قناة «Ten» وأغنية «آه يا قلبي»

GMT 08:07 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية حريصة على دماء الأشقاء اليمنيين

GMT 07:59 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

إسرائيل والاستبعاد على أساس الهوية

GMT 07:55 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان المبدع فاروق حسني

GMT 07:53 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

«زوزو» في الأصل بهيرة

GMT 07:51 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تقرير الانتخابات الأمريكية

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

انفصال الشارع (2)

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«اتفاقية مكة» وطبقات الردع «اتفاقية مكة» وطبقات الردع



لجين عمران تخطف الأضواء بإطلالات استثنائية في عيد ميلادها

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 06:19 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية
 السعودية اليوم - أسرار الفخامة في إطلالات سهرات نوال الكويتية

GMT 06:30 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها
 السعودية اليوم - أخطاء شائعة تهدد حياة نبات الصبار وكيفية تجنبها

GMT 01:18 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

عراقجي يحذر الولايات المتحدة من تداعيات اختبار إيران مجدداً
 السعودية اليوم - عراقجي يحذر الولايات المتحدة من تداعيات اختبار إيران مجدداً

GMT 09:11 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»
 السعودية اليوم - محمد منير يعود إلى اللهجة النوبية بأغنية «سيكر»

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قاليباف يحذر من التصعيد ويؤكد أن قرار تجنب الحرب بيد واشنطن
 السعودية اليوم - قاليباف يحذر من التصعيد ويؤكد أن قرار تجنب الحرب بيد واشنطن

GMT 09:05 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة
 السعودية اليوم - نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضة الجديدة

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 10:58 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول 2020

GMT 16:19 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 10:03 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2020

GMT 23:21 2016 الأحد ,11 كانون الأول / ديسمبر

مصطفى ملائكة يُعرب عن حزنه للخسارة أمام "الاتحاد"

GMT 20:13 2023 الجمعة ,01 كانون الأول / ديسمبر

أمير عبد اللهيان يشيد بموقف رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي

GMT 18:26 2023 السبت ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

اشتباكات ضارية ومتصاعدة في يوم الحرب على مستشفيات غزة

GMT 10:14 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

التعليق الأول من بيب غوارديولا على دموع كلوب

GMT 12:19 2021 السبت ,30 كانون الثاني / يناير

إليك 7 أشياء ربما لا تعرفها عن "واتس آب"

GMT 05:50 2020 الثلاثاء ,02 حزيران / يونيو

تقرير يكشف فوائد السمسم على صحة الجسم والبشرة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon