«الشامي» الأب والابن

«الشامي»: الأب والابن

«الشامي»: الأب والابن

 السعودية اليوم -

«الشامي» الأب والابن

أمير طاهري

تلقيت مؤخرًا عددا هائلا من الرسائل التي تلفت انتباهي لظهور نغمة جديدة بخصوص سوريا. وتدور النغمة الجديدة التي تشدو بها جوقة من مختلف الأطياف - صحافيين بريطانيين وأميركيين، ومفكرين إسرائيليين، ومسؤولين سابقين، ومتحدثين رسميين روسا وإيرانيين، ومبعوثين تابعين للأمم المتحدة، وخبراء «تلفزيونيين» من الشرق والغرب، حول سوريا وتحمل شعار «الأسد جزء من الحل»!
وتدور الفكرة برمتها ببساطة حول أن الاختيار المتبقي في سوريا ينحصر بين السيئ (يمثله الأسد) والأسوأ (ويمثله أبو بكر البغدادي).
من جهته، تساءل أحد المعلقين الموالين لإسرائيل: لماذا علينا التخلي عن عائلة الأسد التي ضمنت أمن حدود إسرائيل على مدار أربعة عقود والمخاطرة بالسماح باحتشاد قوات تنظيم «داعش» قرب الجولان؟
كما يجري تصوير الأسد باعتباره أهون الشرين فيما يتعلق بمستقبل العراق. وكما نعلم، فإن «داعش» يسعى رسميًا لتقطيع أوصال العراق على الأقل، لكن هذا لا يعني أنه من الحكمة الإبقاء على الأسد الذي لا يمانع في البقاء في الحكم ولو تطلب الأمر ذبح شعبه. وحتى إذا خلف الأسد في الحكم «الإخوان المسلمون»، وليس «داعش»، ألا ينبغي أن نشعر بالقلق حيال التهديد الذي قد يمثله وجود مثل هذا النظام في دمشق على دول أخرى، خاصة الأردن ومصر؟
بالنسبة لبشار الأسد، الذي أعيد انتخابه رئيسًا لسوريا مؤخرًا بنسبة 99.9 في المائة، فإنه لا يهدر وقتًا في تطبيق سياسة والده القديمة القائمة على العمل كرهن أمام قوى عظمى متورطة في لعبة شطرنج قاتلة تدور حول الشرق الأوسط اليوم.
وكان هذا هو الدور الذي اضطلع به حافظ الأسد عندما التقيته للمرة الأولى عام 1973.
في ذلك الوقت، اعتبرته طهران عدوًا استراتيجيًا. ومع ذلك، استغل المقابلة التي أجريتها معه لإبداء استعداده لتبديل ولائه والعمل كثقل موازن في مواجهة العراق في ظل قيادة صدام حسين الذي كان حينها عدوًا لإيران. وبمجرد أن بدأت قنوات دبلوماسية في العمل بأقصى سرعة، نجح الأسد في الترويج لسياسته الجديدة داخل صفوف حكومة الشاه.
وبعد عام من لقائنا، التقيته مجددًا خلال مؤتمر القمة الإسلامية في لاهور بباكستان. وأبدى وزير الخارجية الإيراني، عباس علي خلعتبري، الذي ترأس الوفد الإيراني خلال المؤتمر، تردده حيال مقابلة الأسد، لأسباب منها أنه لم تكن لديه تعليمات واضحة بخصوص الأمر من الشاه. ومع ذلك، أبدى المضيفون الباكستانيون حرصهم على تنظيم لقاء بين خلعتبري والأسد. في ذلك الوقت، كانت باكستان حليفة لإيران وعضوا بحلف بغداد، وكان رئيس وزرائها ذو الفقار علي بوتو، الذي عرفته منذ عام 1971، على قناعة بأن الأسد «يمكن أن يصبح أكثر نفعًا داخل الخيمة عنه خارجها».
في النهاية، أعتقد أن الباكستانيين حاولوا ترتيب لقاء «عفوي». وجاء ذلك بالفعل مساء أحد الأيام عندما كان خلعتبري يتناول الطعام مع أربعة أو خمسة من مساعديه عندما أخطره الباكستانيون فجأة أن حافظ الأسد غادر الفيلا التي يقيم بها وفي طريقه للفيلا المخصصة للوفد الإيراني. وسرعان ما جرى إخلاء المائدة من الأطباق وإرجاء الحلوى ووصل الأسد بعد الإخطار بنحو 20 دقيقة. وخلال الاجتماع الذي دام لأكثر من ساعتين، تحدث الطاغية السوري مرارًا، وبدا واضحًا أنه يرغب في التأكيد أمام الإيرانيين على نقطتين:
أولا: أن كل حديثه عن الاشتراكية والقومية العربية ليس سوى خطاب آيديولوجي، وأنه في واقع الأمر ليس مؤيدًا للقومية العربية ولا يساريًا، وإنما «أسدي» ببساطة.
ثانيًا: أنه على استعداد لصالح أي جهة تدفع له أموالا. في البداية، طلب الأسد حزمة مساعدات بقيمة تتجاوز 150 مليون دولار، منها تخفيضات في أسعار النفط ومبالغ نقدية. ونظرًا لعدم توافر تعليمات واضحة لديه، فإن كل ما تمكن وزير الخارجية الإيراني من قوله بأنه سينقل طلبه للشاه. لاحقًا، وافق الشاه على طلب الأسد وانتقل النظام البعثي في سوريا من قائمة «الأعداء» لقائمة «الأصدقاء».
بعد يومين، سألني بوتو خلال جلسة خاصة عن رأيي في جهوده «لضم الأسد للجماعة»، ما يعني إبعاده عن السوفيات. وكان الأسد وقتها بطبيعة الحال يمارس هوايته المفضلة في السباحة مع التيار. وفي ذلك الوقت، عاين تحول موقف أنور السادات في مصر، بينما كان صدام حسين مشاركًا بقوة في مفاوضات مع إيران. كما أن الصينيين كانوا يتحركون باتجاه مزيد من الاقتراب من «العالم الحر» بقيادة الولايات المتحدة، مما عزز عزلة الاتحاد السوفياتي.
وعندما سألت بوتو عن رأيه في الأسد، قال: إن الرئيس السوري «ابن الشام». ولعلمه أنني من عاشقي قراءة المغامرات مثله، كان رئيس الوزراء الباكستاني واثقا من أنني سأفهم الرسالة التي ينطوي عليها هذا الاسم. إلا أنني لم أتفهم تمامًا معنى الصورة التي يحملها الاسم بالنسبة لحافظ الأسد إلا بعد مرور شهرين عندما قرأت رواية «الشامي» لإريك أمبلر.
تدور الرواية حول بطل يحمل هوية مشوشة، فهو يحمل بداخله القليل من هذا والقليل من ذاك والقليل من كل شيء داخل منطقة تضم مجموعة متنوعة من الأقليات. ولا يؤمن هذا البطل بأي شيء ولا يبدي ولاءً لأحد، فهو قد يهرب أسلحة لحساب جماعة متمردة في الصباح، ويخونهم بالليل بإبلاغ الشرطة عنهم. وفي حياته، وضع نصب عينيه هدفين فقط؛ البقاء وتحقيق الثراء بأقصى درجة ممكنة.
من جهته، وصف بيل كلينتون حافظ الأسد بأنه «رجل يمكننا العمل معه». منذ أيام قلائل، عندما كانت العلاقات ودية بعض الشيء بين كلينتون وحاشية الأسد، أعرب السيناتور حينها جون كيري عن اعتقاده بأن بشار الأسد يمكن أن يكون «مفيدًا مثل والده». وأعرب وزير الخارجية الإسرائيلي السابق إيثمار رابينوفيتش، عن رأي مشابه.
اليوم، يضطلع بشار بدور نجل «الشامي»، حيث يعرض خدماته على أي مشترٍ من خلال عقد لقاءات مع أي شخص يمر عبر دمشق بمكان اختبائه.
للوهلة الأولى، قد يبدو «الشامي»، أو ابن الشام، جذابًا لهواة المشاركة في الألعاب القذرة، بيد أنه في نهاية الأمر سيخون «الشامي» حتمًا سيده ليخدم آخر جديدا. منذ أربع سنوات، تحول بشار إلى محور طهران - موسكو، ويحاول الآن العودة لمحوره الأصلي القائم على تل أبيب - واشنطن.
وتحمل هذه القصة برمتها درسًا واحدًا يعلمنا أن «الشامي» يمثل دومًا مصدرا للمشكلات، وليس للحل. لقد ظهر «داعش» هناك نتيجة لنصف قرن تقريبًا من القمع مارسه آل الأسد، وأفرز ظروفًا ساعدت على ظهور هذا التنظيم.
وما نحتاجه الآن سياسة تقوم على حقيقة الموقف الذي يعد في إطاره بشار و«داعش» جزءا من المشكلة ذاتها.

arabstoday

GMT 15:38 2026 الثلاثاء ,17 آذار/ مارس

فكرة يحملها الوزير بدر

GMT 15:33 2026 الثلاثاء ,17 آذار/ مارس

الحوار والمشروع العربى (2- 2)

GMT 15:30 2026 الثلاثاء ,17 آذار/ مارس

الأصمعي مبلبلاً

GMT 15:24 2026 الثلاثاء ,17 آذار/ مارس

الحرب الإيرانية و«الاستذكاء» الاصطناعي!

GMT 15:14 2026 الثلاثاء ,17 آذار/ مارس

إيران ومعضلة تغيير النظام

GMT 22:08 2026 الإثنين ,16 آذار/ مارس

ويحزنون

GMT 22:06 2026 الإثنين ,16 آذار/ مارس

الاستسلام دون قيد ولا شرط ؟!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الشامي» الأب والابن «الشامي» الأب والابن



النيود عنوان الترف الهادئ لإطلالات عيد الفطر بإلهام من النجمات

الرياض ـ السعودية اليوم

GMT 14:31 2013 الجمعة ,27 كانون الأول / ديسمبر

12 قتيل في قصف للجيش اليمني على مخيم عزاء في الضالع

GMT 17:28 2019 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على أخر موضة لـ "البالطو" هذا الخريف

GMT 14:33 2015 الإثنين ,14 أيلول / سبتمبر

الفنانة قمر تنشر صورتها مع ابنها بعد شفائها

GMT 10:07 2021 الخميس ,21 كانون الثاني / يناير

أسباب تراجع فريق ليفربول بعد هيمنة 2020

GMT 14:24 2018 الإثنين ,24 أيلول / سبتمبر

انخفاض معدل الطلاق لمن مر على زواجهم 5 سنوات

GMT 17:28 2016 الجمعة ,15 إبريل / نيسان

تزهو تسريحات شعر صيف 2016 بألوان غير مألوفة

GMT 23:46 2017 السبت ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الدمرداش يكشف عن برنامجه الانتخابي لرئاسة نادي الزهور

GMT 00:01 2013 الخميس ,10 تشرين الأول / أكتوبر

كريستي تُؤجِّل زواجها من أجل فستان الأحلام

GMT 07:42 2015 الخميس ,31 كانون الأول / ديسمبر

"الغربلة" تضع فارس الجنوب فريق "ضمك" في القمة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon