عنّا وعن هذا الغرب «اللعين» أمس واليوم وغداً وفي كلّ حين

... عنّا وعن هذا الغرب «اللعين» أمس واليوم وغداً وفي كلّ حين

... عنّا وعن هذا الغرب «اللعين» أمس واليوم وغداً وفي كلّ حين

 السعودية اليوم -

 عنّا وعن هذا الغرب «اللعين» أمس واليوم وغداً وفي كلّ حين

بقلم - حازم صاغية

أن يولد واحدُنا بعينين اثنتين وبلسان واحد فهذا يوحي أنّ النظر والملاحظة متقدّمان على الكلام، وأنّنا كلّما تحدّثنا مرّةً كان علينا أن نلاحظ مرّتين، أو أنّ علينا أن نلاحظ مرّتين قبل أن نتحدّث مرّةً.

مثل هذا التقدير غير معمول به بتاتاً لدى كثيرين في منطقتنا. ففيما الحروب الأهليّة واللجوء المليونيّ والفقر الشديد تطحن المشرق العربيّ، تتكاثر الأصوات التي تنعى أحوال الغرب ولا ترى إلاّ في ذاك الغرب مصدر البؤس، بؤسه وبؤسنا وبؤس العالم بأسره. فنحن ننطوي على كلّ الحقّ والخير والجمال، تاريخُنا ظلّ ناصعاً حتّى وفادة الغرب إلينا، وثقافتنا ظلّت الأكمل والأنقى حتّى تلك اللحظة، وحياتنا السياسيّة لم تعرف الظلم والقهر والعدوان إلاّ بوصفها أخباراً عن آخرين، وما من نزاع خضناه أو كنّا معنيّين به إلاّ كنّا فيه القوّة التي تمثّل الحقّ والحقيقة.

هذا الوعي المنبعث بقوّة اليوم، لا يعدو كونه تكراراً باهتاً لأساطير قديمة عن إله الخير في مقابل إله الشرّ، الذي اعتُبرت الزرادشتيّة خير من صاغه في الماضي السحيق. لكنّه ينطوي أيضاً على شيء من الرواية التوراتيّة عن سقوط البشر من الجنّة بسبب الخطيئة الأولى. أمّا الخطيئة هذه فلم تكن، في حالنا، إلاّ قدوم الأفعى الغربيّة التي سمّمت كلّ زمان وكلّ مكان ولا زالت تفعل.

لكنّ الوعي الأسطوريّ تقتله أسطوريّته ذاتها. فما دام أنّ الغرب قادر على فعل هذا الشرّ كلّه، وعلى ذاك المدى الزمنيّ المتواصل والثابت، فأيّ معنى لمقاومته والتصدّي له؟ أوليس الأفضل للجميع الإقرار بهذا الواقع والاستسلام لهذا القدر؟ وفي المقابل، إذا كنّا نحن ذاك المفعول به الدائم، العاجز عن التحوّل إلى فاعل، في مواجهة غرب كليّ القدرة والحضور والمعرفة، فلماذا تعبُ القلب وافتراض أنّ ما لم يحصل مرّةً واحدة سوف يحصل الآن؟

على أيّ حال، فبمثل هذه الخرافات يرطن اليوم صحافيّون وفنّانون ومناضلون حزبيّون وأساتذة جامعيّون بعضهم يعيشون في الغرب نفسه حيث تتوفّر لهم فرص من الحرّيّة لا تتوفّر في أيّ مكان آخر في العالم. وهؤلاء في عدادهم إسلاميّون يرون أنّ خير ما يسعى إليه المرء هو العيش في دولة يحكمها الوليّ الفقيه ومشايخه، وقوميّون لا يزال بعضهم يؤمن بوجود سلالات راقية وسلالات منحطّة، وكلّهم تقريباً يُجمعون على أنّ النظام القائم في سوريّا أو في كوريا الشماليّة هو التربة الأخصب للتفتّح الإنسانيّ. وجميع هؤلاء، بطبيعة الحال، ضدّ «عنصريّة الغربيّين»، من دون أن يساورهم أدنى شكّ في أنّهم هم أنفسهم عنصريّون يضعون في خانة مرذولة واحدة مئات ملايين الأوروبيّين والأميركيّين الشماليّين (طبعاً باستثناء نعّوم تشومسكي بوصفه وحده الفرقة الناجية).

فهؤلاء الغربيّون لم يحضروا في هذا العالم إلاّ لتخريبه، ولأجل إثبات الفكرة هذه يُستخدَم التاريخ بسخاء وإفراط. لكنّ تاريخهم، فضلاً عن انتقائيّته، غير تاريخيّ بالمطلق، إذ كيف يمكن إصدار حكم على الغرب، كلّ الغرب وفي كلّ أطواره، دون التوقّف عند تحوّلاته وعند الجديد الذي أحدثته الثورة الزراعيّة، أو الثورة الصناعيّة، أو تقسيم العمل والبيروقراطيّة...؟

وقد يكون لدى الناقد مآخذ سياسيّة وغير سياسيّة كثيرة على دول الغرب، إلاّ أنّ شيئاً من القلق يساور العقل حين يجد أنّ صفات كـ»العدوّ» و»الكافر» و»المارق» و»الناهب» و»الإمبرياليّ» و»الشيطانيّ» لا تُستخدم إلاّ لموصوف واحد هو الغرب.

وكيف نحاكم التاريخ من دون تواريخ الدواء والمشفى والطريق المعبّدة والمدرسة والجريدة والتقنيّة وأحوال المرأة ونسبة الوفيّات ومعدّل أعمار البشر، وبالطبع حرّيّات الشعوب وأوضاع الأقلّيّات ووجهة اللجوء والهجرات؟

بالطبع سوف نجد بين هؤلاء المناهضين للغرب، لا سيّما منهم من يدرّسون فيه، أكاديميّين يعملون على نفخ ظاهرات عَرَضيّة، ليستنتجوا أنّنا نحن من حرّر المرأة التي لم يستعبدها إلاّ قدوم الغرب، وأنّ الذين يفرّون من ديارنا لا يفعلون إلاّ هرباً من إمبرياليّة الغرب. لكنّ هؤلاء بخمسة ألسنة ونصف عين، والأسوأ أنّهم يظنّون أنّ من يتلقّى كلامهم يشبههم في ضعف الرؤية والملاحظة وفي طلاقة الكلام والتعويل على أن يكون مقنعاً. ومن هذا القبيل، وكتتويج كاريكاتوريّ لتاريخ هؤلاء، أمكن لأحد القادة العراقيّين، وهو أيضاً مناهض شرس للغرب، أنّ يتّهم جهاز الموساد الاسرائيليّ باغتيال الإمام عليّ بن أبي طالب.

هنا، في هذا المحفل المجنون، سيكون من العبث البحث عن أصحاب نظريّات في التاريخ وفي تحوّلات الحضارة. فشبنغلر وتوينبي وسوروكين، وحتّى هانتنغتون، لا يوجدون بين هؤلاء، ولا يوجد صينيّون وهنود يضربون «هيمنة الغرب» بسيف إنجازات فعليّة حقّقوها في الصناعة والتكنولوجيا. ما يوجد، في المقابل، خليط يضمّ شعوراً عميقاً بالهزيمة والعطالة، وسلوكاً زاخراً بالنفاق، واحتمالاً انتحاريّاً خصباً يستره استمداد الحياة من الإعجاب بنماذج التصدّي لـ»الهيمنة الغربيّة». لكنْ لمّا باتت هذه الأخيرة من روث التاريخ، أسُمّيت بلشفيّة أم ستالينيّة أم هتلريّة أم ماويّة، لم يبق إلاّ الخمينيّة طريقاً إلى مستقبل رائع!

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

 عنّا وعن هذا الغرب «اللعين» أمس واليوم وغداً وفي كلّ حين  عنّا وعن هذا الغرب «اللعين» أمس واليوم وغداً وفي كلّ حين



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:52 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا
 السعودية اليوم - السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف

GMT 06:16 2012 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مستمرة بالتقدم رغم صعوبة كفاح السينما العربية

GMT 22:43 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2017

GMT 13:51 2017 الإثنين ,17 تموز / يوليو

فشل الارهاب و سقوط الاقنعة

GMT 17:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

فوائد زيت النعناع الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon