«النتش» هذا «قنفذ التلال»

«النتش» هذا «قنفذ التلال»

«النتش» هذا «قنفذ التلال»

 السعودية اليوم -

«النتش» هذا «قنفذ التلال»

حسن البطل

لا يغار «النتش» القميء من ابتهال الإنسان للنخيل السامق في غير مكان إمارته على التلال.. لا؛ ولا يحسد «النتش» القنفذي زيتونة التلال والجبال إذا تربّعت مليكة في عقر مملكته.
جلود قنوع هو هذا «النتش» لا يذل كبرياءه أن يكون فضلة طعام للماعز المتأفف في هجير الصيف من جوع يقرص معدة هذا الماعز؛ الجلود - القنوع هو الآخر .. لا، بل هما حليفان.
كم كان للإنسان أن يمرّغ أنف هذا «النتش» الشائك، فيستخدم عظامه لكنس الأزقة من قذارتها .. فيخسر في هذا التمريغ ثوبه الأخضر الداكن، ثم مخالبه، ومن ثم يُلفظ «النتش» بما هو أتفه من لفظ النواة.
ساهر هو النتش على مرّ الفصول. لا تعرفه ظامئاً في الصيف او مرتوياً - ريّان في الشتاء. لكن، في أول الربيع يتذكّر النتش أن أسنان الماعز فكت أزرار ثوبه .. فلا يخشى على عريه الفاضح؛ بل يخشى على عري التلال. زهوره شيء كالأزرار لا توفرها أسنان الماعز.. لكن يخبئ بعضها مؤونة لفصل يلي فصلاً، لعام يلي عاما .. هكذا حاله من أول الدهر على تلال هذه الأرض المقدسة، التي لولاه لجرفت سيول الشتاء أديمها أحمر رقيقاً يستر عري الصخر.
لولاه لكان اليباب - الموت (الأصفر؛ الأحمر؛ البنّي) تسيّد الجبال. فبماذا تُمسك جذور الأزاهير الهشة آنذاك؟ كيف للعشب الأخضر الفاتح ان يمدّ مائدته فصلاً من فصول العام الأربعة. بل، كيف لشتلة الزيتونة المباركة ان يقمّطها التراب حتى تشبّ باسقة.
جهول - ظلوم هذا الإنسان ان ظنّ النتش وغداً كالعليق الذي يستوطن تربة الجبال حتى عظامها.. ولا يرحل ان قلت له ارحل. تكشه فيرحل. النتش تومئ له: افسح المكان من فضلك، فيفعل طالما فلح الفلاح ارضه. فإن تقاعس هب النتش الى حراسة الأديم الرقيق ان تأتي عليه زخّات مطر كالوابل.
يضطرب وجه الأرض من فصل الى فصل، بل قل: تغيّر الأرض زينة حسنها «ماكياجها». لكن هذا النتش القنفذي لا تضطرب درجة اخضراره. لا تنزل درجة من الأخضر الداكن (غامق وأشدّ غمقة من اللون الزيتوني). إنه «ماكياج» وجه هذه التلال العانس.. حتى اذا وجدت «عريساً» لها وبعلاً (سواء سروة سامقة وصنوبرا متينا، او عُشيبات قمح وشعير) .. أخرج النتش لها مهر العروس: تربة صانها من التبدّد والضياع مع عاديات الزمن.
مبعثر هو النتش أحياناً، او متراصّ كثيف، كأنه سترة المغوار المحارب، المنافح عن تربة التلال .. وله عدّته المناسبة لحياة جنديّة الضنك.
إنّه عبوس دائماً، اكثر من خشن الملمس. لكن، بمن تحتمي زهيرات الربيع القادم وقت ريح الشتاء وسيوله؟ إنها تجد الملاذ في أحضان «النتش». والى جواره، كأنها تحتمي به، أيضاً، حتى لا تأتي أسنان الماعز عليها، بل تترك شيئاً من الأزاهير خزانة الموسم المقبل، من جيل الى جيل.
هو النتش، اذاً، معيل وعائل. لكن، ليس عالة على حقل فلاح مجتهد.. ولا متطفّلا. بل له بعض شيء من عقل البقاء الغريزي، فتراه ينصب متاريس الدفاع امام السيول على حافة انكسارات طبقات الصخر. وأحياناً، يعزز «خط الحراسة» الذي يقيمه الفلاح من حجارة السناسل والجدران الاستنادية فيسمح بمرور ماء المطر الزائد .. ولا يسمح للتراب بذلك.
جندي التلال هذا النتش، كما الغراب الأسود يمسح عن سطح الأرض قتلى الكائنات البرية. يقولون إن الغراب علم الإنسان احترام حرمة الموت فصار يدفن موتاه، وما لا يدفنه الإنسان لا يأنف الغراب عن جيفته.
.. وأمّا هذا النتش فهو حارس الحياة في تلال الأرض المقدّسة ان يموت أديمها أو يُجدب إلى الأبد. صحيح أننا من التراب والى التراب نعود، لكن لمملكة النبات قانونها الآخر: من التراب والى التراب تحيا. وهل للإنسان حياة بلا مملكة النبات؟ وهل لمملكة النبات من تراب على السفوح لولا حراسة النتش للتراب.. شرطاً للشجر العالي. شرطاً لشجيرات اقل علوّاً .. شرطا ليجد عشب الربيع مهداً يستريح فيه وعليه.
هذا القميء الذي لا يغار. هذا «القنفذي» الذي يحتضن زهيرات الربيع. هذا الجلود، القنوع، المعيل لا العالة. هذا السيّد الشهم. هذا الخادم..الجندي.. هذا هو «النتش».

arabstoday

GMT 07:05 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

لا نهاية للأسئلة الأمريكية

GMT 07:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب المأزوم المهزوم

GMT 07:03 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الموسيقار خالد الأمير غرق في قارورة العسل!!

GMT 07:02 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

بالنقاط

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هل يتواضع الديمقراطيون عند النصر؟

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

القوة الناعمة والجاذبية المتضائلة

GMT 06:58 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

أميركا... البندول يتأرجح

GMT 06:57 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

إجبارية التقدم والفرص المتاحة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«النتش» هذا «قنفذ التلال» «النتش» هذا «قنفذ التلال»



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 11:20 2026 السبت ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

الحرس الثوري يكشف تفاصيل الضربات الأميركية على جزيرة قشم
 السعودية اليوم - الحرس الثوري يكشف تفاصيل الضربات الأميركية على جزيرة قشم

GMT 00:04 2018 الأحد ,08 تموز / يوليو

"واتسآب" يمنح مكافآت مالية لمن يحل مشاكله

GMT 06:48 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

جولة بالصور على قصر الراحل دييغو مارادونا

GMT 11:57 2019 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

لعبة بروكسل مع الحكومات الاستقلالية النزعة

GMT 23:11 2018 الإثنين ,24 أيلول / سبتمبر

نصائح للحصول على فخدين ومؤخرة أكثر جمالاً

GMT 06:23 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

ماسك زيت السمسم لتطويل الشعر على الطريقة الهندية

GMT 14:04 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 09:56 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

فنادق فاخرة في الطبيعة الخلابة لقضاء عطلة صيفية رائعة

GMT 05:13 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

تسريحات للشعر جميلة ومميزة لتكتمل أناقتك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon