السقطة

السقطة

السقطة

 السعودية اليوم -

السقطة

حسن البطل

بسملت! مادت أرض الدار كما يميد جناحا طائرة حربية. تعرفون البسملة كاملة، لكن لماّ مادت الأرض بي وجدتني أقول: "بسم الله عليّ"!
من يوم تلك السقطة، من سقف سطح الى ارضية دار هي صبة إسمنت، لم أعاود عادتي كما الغلمان صحبي! "تنعر" و"تحكش" عش "الزلاقط" والدبابير بعصا، وفي اليد عصا ذات لهب على طرفها الآخر. تخرج هذه الزلاقط من العش ثم تهوي ميتة في "نار جهنم".
كانت غوطة دمشق مستعمرة للزلاقط والدبابير بنوعيها الأحمر والأسود. الأعناب أصناف وأشكال وألوان، أحلاها كان العنب الدوماني فائق الحلاوة، ورحيقه غذاء أثير للزلاقط والدبابير. حشرات طائرة، مرقطة عرضانياً بالأصفر الزاهي والأسود، او بالأحمر والأسود وللدبابير الأكبر، او سوداء هيفاء للدبابير الأشد لسعاً.
شيطنة أولاد ينعرون أعشاشها ويهربون، ونصيب العابر هجوم ولسعات في الرأس أو على الوجه. او على رؤوسنا ووجوهنا أحياناً.
أشد ألم اللسعة عندما تقع على الجفون، تنتفخ اسبوعاً او عشرة ايام، وبعد اللسعة نهرب باكين الى النساء اللواتي كنّ يفقسن حبات العنب، ويضعنها فوق اللسعة لامتصاص بعض سمّها، او لتبريد سخونة اللسعة.
في ذلك اليوم في مزرعة "حوش الغارة" شرقي دمشق وأقصى الغوطة الشرقية، شاركتنا أسراب الزلاقط في حبّات العنب الدوماني، فقلت: سأحرق العش، او قلت سأنعره دون حرق واطلق ساقي في الهروب.
هربت متراجعاً للخلف، ولم افطن الى ان بيوت القرية المتلاصقة متفاوته العلو، لكن سطح ذلك البيت، حيث سقطت وهويت، كان آخر البيوت.
عندما تسقط من سقف الى آخر، غير ان سقطت من سقف عال الى الأرض. بيوت القرية عالية السقف غالباً، وهناك عمود السقف من جذع شجرة.
شعرت أن السقطة اكبر من سقف الى سقف، فأمسكت بخشبة العمود، فاعتدلت السقطة بدلاً من وقوعي على الرأس وقعت عامودياً من علو خمسة أمتار.. فمادت الأرض، وبسملت على نفسي، وسقط شيء من أضراس أسناني أرضاً وانكسر عظم إحدى ساقيّ!
كدت أموت ولم أمت، وعامود السقف حيث احتضنه بذراعي لحظة عابرة جعلني اسقط عامودياً على قدمّي.
الضربة السخنة تؤلم عندما تبرد، وقبل ان تبرد وضعت النساء "يوداً" و"دواء أحمر" على جرح اسفل ذقني وقبل ان تبرد الضربة حاولت اللعب بالكرة مع الأولاد الذين انتشلوني تألمت وتوقفت!
عظامي كانت "طرية" كما عظام غلام في الـ 11 من عمره. صرت اعرج، وصارت أُمي أسابيع طويلة تدلك ساقي الموجوعة بزيت الزيتون بعد كمادات الماء الساخن، وشيء من الدهون المسكنة للآلام، لعلها كانت "امرتنجن" الهندية.
ربما أصدّق كلام الفلاحين بأن لسعة الدبور الأحمر في قوة سبع لسعات للزلاقط، فقد لسعني دبور احمر او دبوران، وانتفخ وجهي أياماً .. لكن لم أجرب كلام الفلاحين بأن لسعة الدبور الأسود في قوة سبعة دبابير حمراء، وبالتأكيد لم أجرب زعمهم أن لدغة العقرب، السوداء لا الشقراء، بقوة سبعة دبابير سود.
يسمون الزلاقط هنا "صُمّل" وهي قليلة في هذه البلاد، ربما لقلة الأعناب فائقة الحلاوة كالعنب الدوماني، او لأن اللحامين صاروا يضعون الذبيحة في البراد، او لأسباب لا اعرفها .. أولا تهمي معرفتها.
يقولون عن مخاطرة موت لا تفضي الى موت محقق: كُتب له عمر جديد، لكن بعد العمر الجديد صرت هياباً للمرتفعات، وأشعر بتنمل او خَدَر في ساقي اذا نظرت من علو شاهق. يسمون هذا "فوبيا المرتفعات" وغيره يسمونه "فوبيا الخلاء" كأن تكون وحدك في بيداء شاسعة.
غطت "السكسوكة" جرحاً مستديماً أسفل ذقني، وغطى الحذاء جرحا غائرا في كعب قدمي، عندما قفزت حافياً من ضفة جدول الى أُخرى .. كان بها زجاجة مكسورة.
الصدفة أنقذتني شاباً من سقطة اخرى، وكانت على جبل قاسيون، حيث تسابقت هرولة على سفحه نزولاً في ليلة مقمرة، ثم توقفت، رويداً رويداً. لكن على بعد خطوة واحدة من جرف عامودي في جبل قاسيون، صدفة ان يكون بينك وبين سقطة الموت خطوة واحدة لا غير .. يا للمصادقة العجيبة.
نظرت نهاراً الى الجبل، وقدّرت ان رمية الجرف لا تقل عن ٨٠ متراً. من الذي يبقى حياً اذا سقط من هذا العلو؟!
أين أنا من الجبان ذلك المغامر الشجاع الذي قفز بالمظلة من حافة أخيرة للغلاف الجوي للأرض الى الأرض .. وبسرعة زادت على سرعة الصوت قليلاً.

 

arabstoday

GMT 07:05 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

لا نهاية للأسئلة الأمريكية

GMT 07:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب المأزوم المهزوم

GMT 07:03 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الموسيقار خالد الأمير غرق في قارورة العسل!!

GMT 07:02 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

بالنقاط

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هل يتواضع الديمقراطيون عند النصر؟

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

القوة الناعمة والجاذبية المتضائلة

GMT 06:58 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

أميركا... البندول يتأرجح

GMT 06:57 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

إجبارية التقدم والفرص المتاحة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السقطة السقطة



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:04 2018 الأحد ,08 تموز / يوليو

"واتسآب" يمنح مكافآت مالية لمن يحل مشاكله

GMT 06:48 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

جولة بالصور على قصر الراحل دييغو مارادونا

GMT 11:57 2019 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

لعبة بروكسل مع الحكومات الاستقلالية النزعة

GMT 23:11 2018 الإثنين ,24 أيلول / سبتمبر

نصائح للحصول على فخدين ومؤخرة أكثر جمالاً

GMT 06:23 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

ماسك زيت السمسم لتطويل الشعر على الطريقة الهندية

GMT 14:04 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 09:56 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

فنادق فاخرة في الطبيعة الخلابة لقضاء عطلة صيفية رائعة

GMT 05:13 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

تسريحات للشعر جميلة ومميزة لتكتمل أناقتك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon