زهـــرة

زهـــرة

زهـــرة

 السعودية اليوم -

زهـــرة

حسن البطل

جَنين سقيط في قارورة على الرف. قبضتاه مضمومتان أبداً. ركبتاه زاويتان قائمتان أبداً.. وعيناه مطبقتان أبداً. مومياء لا تهترئ أبداً.

جَنين سقيط في حجم قبضتي غلام في العاشرة، وأصغر قليلاً من حجم قبضة اليد اليمنى لأبي الفلاح الخمسيني اللاجئ.

لوحة ايضاح، أو نحت حي/ ميت يسبح في فضاء من الماء (سأعرف لاحقاً أنه «فورمالين»). هذه عيادة الدكتور سعيد عودة. يأخذني أبي إليه. يضربني الدكتور إبرة في عضل عجيزتي اليمنى. وبعد يومين أو ثلاثة يضربني في عضل عجيزتي اليسرى. يوماً أعرج ساعات على قدمي، ويوماً آخر أعرج على قدمي الأخرى. ولد ضعيف البنية يحتاج حديداً سائلاً في لون ذلك الفورمالين في القارورة على الرف. خلاصة زيت كبد الحوت في مطعم الوكالة، وخلاصة الكبد في عجيزتي.  

د. سعيد، الستيني، أشيب الشارب، أشيب الشعر، وئيد الخطوة.. وعلى أرنبة أنفه نظارة الرجل العالم البيضاء (ستصبح موضة الشباب وأنا في عمر الخمسين). 
 
هل كان أبي يأخذني الى الدكتور سعيد لأنه لا يحب منافسه في القرية الدكتور صبحي طه، أو أنه يأخذني إليه ليلغطا وقتاً طويلاً عن الثورة السورية الكبرى، وعن نكبة فلسطين. أما الدكتور صبحي، الذي تفضله غالبية نساء القرية، لأنه شاب و»يحكّم بالبلاش» فهو في عمر أخي، الابن الكبير لأبي. والرجل الكبير لا يحكي ذكريات الحرب والثورة مع طبيب في عمر ابنه. 

مرة أخذتني أُمي الى صبحي هذا، فلم يكن على رف عيادته جنين سابح في الفورمالين، وليس في غرفة الانتظار سوى مجلات قديمة عن الحرب والسياسة. قلت لأمي: لن يضربني الإبرة غير الدكتور سعيد، حتى لو دفع أبي الفقير ليرتين للكشف الطبي كل شهر، ورُبع ليرة أجرة إبرة خلاصة الكبد التي تستقر في ربلتي عجيزتي على التوالي: اليمنى واليسرى.  

كان الدكتور سعيد عربياً من ايران ويحكي لأبي عن ريح حملته من الأهواز، الى صفوف ثوار غوطة دمشق بقيادة حسن الخراط. وحمل معه حبيبته الفارسية. صارت عجوزاً أكثر من أمي. لعلها كانت في صباها ثورية مثل روزا لوكسمبورغ، وفي خريف عمرها صارت مديرة أول مدرسة للبنات في القرية.  
بنات اللاجئين حاسرات الرؤوس، مثل ابنتيها: زهرة وسعاد. الدكتور سعيد غير مكنّى خلاف جميع رجال القرية. لم ينجب ولداً من زوجته، التي كانت تحنّ على ابن اختها كأنه ولدها. 

وأنا كنت أغار على البنت زهرة من ابن خالتها. ولد نحيف مثلي، يفوقني عمراً، ولكنه صحيح الجسم، جميل المحيّا.. لولا بثور لا حصر لها على صفحة وجهه.  
كانت البنت زهرة تفوقني عمراً بعامين، وتفوقني طول قامة. وفي عيادة أبيها تتصرف كما في بيتها، لأن العيادة في بيت أبيها. والبيت نفسه مدرسة بنات في الطابق العلوي. مدرسة خاصة برسوم رمزية جداً.  

صرت أحب يوم الإبرة، وصارت البنت زهرة تحبّ أن تجتاز غرفة العيادة.. كانت تضحك على عجيزتي ربّما. وصار خدّاها يحمرّان، ويهتزان مع خطواتها.  
دبيب خطوات العمر في خطوات الدكتور سعيد، وهذا الارتجاج في خديّ ابنته زهرة. سأكتشف أن شقيقتها الكبرى سعاد ترتجّ في خطواتها أيضاً.. ويرتجّ في جسدها كاعبان صغيران.  

كنتُ غلاماً غـرّاً لم يدرك سن الحلم، ولا يعرف سبباً ليبدأ الارتجاج الأنثوي في الخدين ثم في النهدين.. ثم في الوركين. خطوات أنوثة تبدأ بنداء حياء في الخدين، الى نداء إغواء في النهدين.. وأخيراً، تمشي البنت التي صارت صبية، كما تمشي المرأة مشية مارلين مونرو. وِركان يرتجان، نهود ترتجّ.. ويمحى ارتجاج الحياء في الخدين.  

كان الدكتور صبحي يروح ويجيء في سيارته الفارهة؛ والدكتور سعيد يسافر في باص الناس الى العاصمة الشام. وكانا يتقاسمان كل مرضى القرية، وفي أيام الانتخابات ينقسم رجال القرية بين الدكتورين المتنافسين على مقعد ريف دمشق في البرلمان السوري.  

في أيام وسنوات القلق، أوائل الخمسينيات، كانت تكثر الانقلابات العسكرية، فتكثر الانتخابات المزوّرة، وتتعدد المعارك بين الدكتورين: ابن البلد الشاب؛ والعجوز العربي اللاجئ من ثورة ايران الى ثورة سورية. وأنا أمزق سراً صور الدكتور صبحي، وأوزع علانية صور الدكتور سعيد. وأبي الذي يلغط ساعتين على الواقف مع الدكتور سعيد، يزوره مهنئاً إذا فاز؛ ويزوره مواسياً إذا خسر. وتزورنا الأمّ وابنتاها، لأنها معلمة أختي.  

يوماً بكى الدكتور سعيد، الفقير والثوري والمتحرر، لأن الدكتور صبحي فاز عليه بأصوات الشبعانين في ولائم الانتخابات. أبي الفلسطيني كان بلا صوت لأنه فلسطيني، وأنا وأصحابي الأولاد مزقنا كثيراً من صور الدكتور صبحي.. بلا فائدة.  

في ذلك اليوم كان حديث الدكتور طويلاً مع أبي. خلع سترة الطبيب البيضاء. خلع قميصه.. وبين عظمة المرفق وعظمة الكتف.. كان ذراعاه بلا عضلات. بل كان الجلد شبه ملتصق بالعظم. هذا وسام المناضل العتيق في الاعتقال الاستعماري الفرنسي.. أياماً طويلة مشبوح الذراعين حتى تلاشت عضلات ساعديه.  

صارت جميع أيام الأسبوع مثل «يوم الإبرة « أروح وأجيء بلا سبب أمام عيادة الدكتور/ منزله/ مدرسة زوجته. صارت البنت زهرة تمشي في الطريق فيهتز شيء في صدرها، ويهتز قلبي كثيراً. ويقول لي أصحاب الدكاكين: «يلّلا يا ولد.. روح. استحي».  

فجأة مات أبي. فجأة رحل الدكتور سعيد الى المدينة الكبيرة. فجأة اختفت زهرة الى الأبد.. دون أن أرى دبيب الارتجاج يهبط من خديها الى صدرها.. الى وسطها.

arabstoday

GMT 07:05 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

لا نهاية للأسئلة الأمريكية

GMT 07:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب المأزوم المهزوم

GMT 07:03 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الموسيقار خالد الأمير غرق في قارورة العسل!!

GMT 07:02 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

بالنقاط

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هل يتواضع الديمقراطيون عند النصر؟

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

القوة الناعمة والجاذبية المتضائلة

GMT 06:58 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

أميركا... البندول يتأرجح

GMT 06:57 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

إجبارية التقدم والفرص المتاحة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

زهـــرة زهـــرة



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 11:20 2026 السبت ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

الحرس الثوري يكشف تفاصيل الضربات الأميركية على جزيرة قشم
 السعودية اليوم - الحرس الثوري يكشف تفاصيل الضربات الأميركية على جزيرة قشم

GMT 00:04 2018 الأحد ,08 تموز / يوليو

"واتسآب" يمنح مكافآت مالية لمن يحل مشاكله

GMT 06:48 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

جولة بالصور على قصر الراحل دييغو مارادونا

GMT 11:57 2019 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

لعبة بروكسل مع الحكومات الاستقلالية النزعة

GMT 23:11 2018 الإثنين ,24 أيلول / سبتمبر

نصائح للحصول على فخدين ومؤخرة أكثر جمالاً

GMT 06:23 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

ماسك زيت السمسم لتطويل الشعر على الطريقة الهندية

GMT 14:04 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 09:56 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

فنادق فاخرة في الطبيعة الخلابة لقضاء عطلة صيفية رائعة

GMT 05:13 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

تسريحات للشعر جميلة ومميزة لتكتمل أناقتك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon