في رثاء السفير والنهار

في رثاء السفير والنهار

في رثاء السفير والنهار

 السعودية اليوم -

في رثاء السفير والنهار

عريب الرنتاوي

أجيب، حين يسألني البعض عن علاقتي بمهنة الصحافة، بأنني تعلمتها في بيروت، وأن أول من وضع خطاي المتثاقلة على سكتها هو الصديق الشهيد ميشيل النمري، الذي داهمني ذات صباح، وهو في طريقه إلى مكتبه، متلبساً بشرب فنجان من القهوة وقراءة صحيفتي السفير والنهار في مقهى “أم نبيل” قرب جامعة بيروت العربية، وأصر على اصطحابي معه، رغم ممانعتي النابعة من عدم ثقتي – وربما عدم رغبتي – في ولوج هذا العالم، فكان ما كان.

أقول ذلك، وفي البال أنني حقيقة تعلمت قراءة الصحف في بيروت، بيروت علمتنا أشياء كثيرة، من بينها قراءة الصحف، فثمة طقوس وطرائق للقراءة كان يتعين عليك إجادتها قبل أن تزعم أنك تعرف لبنان من عناوين صحفه ومقالات كتابها وتعليقاتهم ... قبل ذلك، كانت “صحافة اللون” الواحد، هي سمة العمل الصحفي والإعلامي في الأردن، زمن الأحكام العرفية، إذ قلما تجد مقالاً أو تحليلاً خارجاً عن المألوف والسياق. ذهلت حين عرفت، أن الصحف موزعة على المذاهب والطوائف والأيديولوجيات، وأن مصادرها الإخبارية والمالية، تتدفق بغزارة، من خارج مألوف العمل الصحفي وقنواته المعتادة ... وأذهلني شغف السياسيين بالصحافة، حتى أن كل واحد من كبارهم

، قد خصص “ميزانية مستقلة” يغرف منها على “المحاسيب” و”الزبائن”، تارة لكسب التأييد وأخرى لشراء الصمت، ينطبق ذلك على القصر الجمهوري والسراي الحكومي ومجلس النواب، وصولاً إلى زعماء الميليشيات وأمراء الحروب والطوائف والزواريب والحارات ... جميعهم كانوا يعرفون، أنه من دون صحافة وإعلام، يصبح حضورهم كالغياب، وأن ظهورهم في عناوينها وصدارة صفحاتها، هو الشهادة الدامغة على أنهم ما زالوا ينبضون بالحياة.

منذ ذلك التاريخ، في مفتتح ثمانينيات القرن الفائت، وأنا “مدمن” على قراءة السفير والنهار ... ولم تنقطع هذه العادة إلا بعد الخروج من بيروت، حيث تقطعت سبل الحصول على الجرائد اللبنانية بانتظام، قبل أن أعود لمزاولة عاداتي الراسخة، عبر فضاء الشبكة العنكبوتية، لكن مع توسع طفيف في عدد الجرائد المستهدفة، بضم الأخبار إليها، وأحياناً الجمهورية. في لبنان العشرات من الجرائد والمجلات التي تصدر بانتظام وبكلف هائلة ومردود قليل، ومع ذلك فهي تصدر وتصدر بانتظام، ما يوحي بأن مصادر التمويل تمر بقنوات أخرى، بعضها سرية وأغلبها علنية ... حيث باتت مصائر معظم هذه الصحف، إن لم نقل جميعها، رهناً بحاجات المموّل المتغيرة، وقدرته على إدامة الدفع والتمويل من جهة ثانية.

في السنوات القليلة الفائتة، واجهت الصحف اللبنانية، أزمة مالية خانقة ... تراجع توزيعها وتضاءلت المساحات الإعلانية على صفحاتها، بعد أن غزت الفضائيات، ومن بعدها الشبكة العنكبوتية سوق الإعلان ... أحد الأصدقاء قال لي إن الصحف اللبنانية الورقية مجتمعةً، بالكاد توزع 20 ألف نسخة ... هذا وضع كارثي بامتياز، وقد بدأت نتائجه الكارثية تتجلى في إقدام كثير منها، على “تسريح” العشرات من العاملين والكتاب والصحفيين، بمن فيهم أسماء وازنة، ودائماً لأسباب مالية.

قبل أيام، أعلنت صحيفتا النهار والسفير، أنهما بصدد التوقف عن إصدار الطبعة الورقية قريباً، بالنظر للضائقة الاقتصادية التي تعتصرهما ... لا أدري كيف ستكون صورة بيروت، من دون أكشاك الجرائد التي تزينها الصحيفتان المذكورتان ... لا أدري كيف يمكن لنهارات العاصمة اللبنانية أن تبدأ من دون ارتشاف فنجان قهوة على وقع “تقليب” صفحات الجرائد، على مقهى رصيفي على مقربة من أقدام المارة والعابرين؟

الصحافة الورقية تحتضر، وهي في طريقها للفظ أنفاسها الأخيرة ... حقيقة نعرفها ونكررها كما لو كانت قدراً مكتوباً علينا كالموت، ولكننا نحزن حين نفقد عزيزاً علينا، وتصدر عنا إشارات “عناد” للقدر المحتوم ... وها نحن نستكثر أن يطوف ملاك الموت بصحف عزيزة علينا، كالسفير والنهار ... وقبلها ارتدينا ثياب الحداد على بعض صحفنا الوطنية كـ “العرب اليوم”، وكدنا نرتديه على صحف أخرى: الدستور”، وبدانا نتحضر لاستقبال المزيد من الأخبار غير السارة عن صحف أخرى.. من دون أن نقوى على التسليم بأن مسار الورق في الصحافة قد بلغ خط النهاية، وأننا سنشرب قهوتنا الصباحية ذات زمن ليس ببعيد، مع الصحافة الافتراضية، آملين ألا تتحول قهوتنا ومقاهينا ذاتها، ذات يوم، إلى قهوة ومقاهٍ “افتراضية” كذلك... عظّم الله أجركم. 

arabstoday

GMT 07:05 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

لا نهاية للأسئلة الأمريكية

GMT 07:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب المأزوم المهزوم

GMT 07:03 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الموسيقار خالد الأمير غرق في قارورة العسل!!

GMT 07:02 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

بالنقاط

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هل يتواضع الديمقراطيون عند النصر؟

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

القوة الناعمة والجاذبية المتضائلة

GMT 06:58 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

أميركا... البندول يتأرجح

GMT 06:57 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

إجبارية التقدم والفرص المتاحة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في رثاء السفير والنهار في رثاء السفير والنهار



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:04 2018 الأحد ,08 تموز / يوليو

"واتسآب" يمنح مكافآت مالية لمن يحل مشاكله

GMT 06:48 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

جولة بالصور على قصر الراحل دييغو مارادونا

GMT 11:57 2019 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

لعبة بروكسل مع الحكومات الاستقلالية النزعة

GMT 23:11 2018 الإثنين ,24 أيلول / سبتمبر

نصائح للحصول على فخدين ومؤخرة أكثر جمالاً

GMT 06:23 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

ماسك زيت السمسم لتطويل الشعر على الطريقة الهندية

GMT 14:04 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 09:56 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

فنادق فاخرة في الطبيعة الخلابة لقضاء عطلة صيفية رائعة

GMT 05:13 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

تسريحات للشعر جميلة ومميزة لتكتمل أناقتك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon