يساريون و قوميون

يساريون و قوميون

يساريون و قوميون

 السعودية اليوم -

يساريون و قوميون

عريب الرنتاوي

أتيح لنا أن نقضي سويعات ممتعة مع قادة أربعة أحزاب إيديولوجية أردنية قومية ويسارية، انتهت في الأشهر القليلة الفائتة من تنظيم مؤتمراتها الوطنية، والغرض من اللقاء كان التعرف على “المراجعات” و”التصويبات” التي أجرتها هذه الأحزاب على برامجها ومواقفها في ضوء نتائج وتداعيات الزلازل المتلاحقة التي ضربت العالم والإقليم خلال الخمس و العشرين السنة الماضية.

والحقيقة أنه من الظلم الاستمرار في اتهام هذه الأحزاب بـ “الجمود العقائدي” أو “معاندة التاريخ”، فقد لاحظنا تطوراً في الخطاب، ينحو باتجاه الاعتراف بالدولة الوطنية وتبني مفاهيم الديمقراطية والتعددية، والانفتاح على الثقافة المدنية وقيم حقوق الانسان ... لكن ذلك لا يعني أبداً، أن هذه الأحزاب، قد أتمت المراجعات المطلوبة، أو أنها وقفت أمام تجربتها بكثير من النقد والتشريح والتصحيح ... فالأحزاب عموماً، كما الحكومات والأنظمة، تفضل أن تنتقل إلى الموقف الجديد من دون أن تنتقد الموقف القديم، أو أن تصفي الحساب مع المرحلة القديمة، وفي أحسن الأحوال، تميل للقول بان أخطاء وقعت، وجلّ من لا يسهو؟!
جذر الخلل في أحزاب المرجعيات اليسارية، أنها وهي تنتقل من صرامة الماركسية اللينينية وحزبها الحديدي، هيئة أركان الطبقة العاملة، إلى الفضاء الديمقراطي الأرحب، لم تتوقف مطولاً أمام “مفهوم الدولة”، فالدولة عند هذه المرجعية، خصوصاً في الإضافة اللينينية للماركسية، هي التنظيم السياسي للطبقة المسيطرة اقتصادياً، هي جهاز القمع والإكراه الذي تمارسه البرجوازية ضد البروليتاريا والطبقات الشعبية الرثّة ... وتأسيساً على هذا المفهوم، فإن الديمقراطية ليست سوى وسيلة تلتجئ إليها البرجوازية لتقرر من سيمارس دور القمع والإكراه كل أربع أو خمس سنوات.

ومن الجائز بموجب هذين الفهمين المكملين لبعضهما البعض، أن يجري تبني مفهوم “أداتي” للديمقراطية، فتكون وسيلة الحزب للوصول إلى السلطة، وبعد ذلك تدمير أدوات “السيطرة” والإكراه” الرأسمالية، والشروع دون إبطاء في تشييد صروح ديكتاتورية البروليتاريا(أو البروليتاريا المتحالفة مع جموع الفلاحين والفقراء) التي هي ذروة سنام “الديمقراطية الشعبية” باعتبار أن ديكتاتورية الأغلبية هي المعادل الموضوع للديمقراطية الشعبية أو الثورية.

بهذا المعنى، لا تختلف قراءة بعض “الماركسيين –اللينينيين” عن قراءات بعض “السلفيين” و”الأصوليين” الإسلاميين، الذين لم يروا في الديمقراطية سوى وظيفتها “الأداتية”، كسلم للوصول إلى السلطة، ومن بعدها “التمكين” بما هو سيطرة تامة على مفاصل الدولة، ومشروع “أسلمة” جارفة للمجتمع، بما يعني توفير “بيئة حاضنة” لسلطتهم، كفيلة بإعادة انتاجها.

بهذا المعنى أيضاً، لا تختلف حكاية “الديمقراطية الشعبية/ الثورية”، بوصفها ديكتاتورية الأغلبية، عن النظريات التي تختزل الديمقراطية بصناديق الاقتراع، وتشرعن لحق الحزب الفائز، بممارسة تغيير منهجي منظم لقواعد اللعبة السياسية وانتهاك حقوق الأقلية/ الأقليات، بل والافتئات عليها، طالما أنه جاء بتفويض من صناديق الاقتراع ... وإذا كان هناك من دروس لتجربة العدالة والتنمية في تركيا، فهي “يقين” الحزب، بأنه وهو الفائز في عشرة انتخابات واستفتاءات، بأنه قادر على فعل ما يشاء والتطاول على من يشاء وانتهاك حقوق المخالف، وإلحاق القضاء والإعلام وقطاع الأعمال بركب حزبه وسلطته، إلى أن جاءت الصدمة الكبرى في الانتخابات الأخيرة.

مفهوم الدولة الوطنية، ظل مرذولاً عند القوميين، وبدرجة تزيد أو تنقض عند اليساريين الأمميين، وهم بهذا المعنى لا يختلفون كثيراً عن الإسلاميين الذين يجنحون لمفهم “الأمة الإسلامية”، و”دولة الأمة”، لا حدود وتخوم بيّنة بين الوطني والقومي والأممي في خطاب كثير من هذه الأحزاب، الفارق أنها تختلف في “التبرير” أو”الأسباب الموجبة” إن جاز التعبير.

الشيوعيون والقوميون ليسوا أبناء زمننا هذا، فهم ورثة أحزاب وإيديولوجيات، سادت و”مادت”، وحكمت في كثير من الأصقاع والأمصار ... إلا أن تجارب الحكم تلك، لم تخضع بعد لكثير من النقد والتشريح، وأبعد نقطة وصلتها كثرة من أحزابنا، هي الحديث عن أخطاء، أو هنات هينات، لا تكاد تذكر في سياق الإنجازات التاريخية، لكأن الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والتعددية، مجرد تفاصيل، يمكن التغاضي عنها، أمام إنجازات القطاع الاشتراكي وكهربة الريف ومجانية التعليم ... مع أن تجارب الحكم في المجتمعات المذكورة، انتهت إلى نتائج كارثية، خصوصاً في العالم العربي، من النكسة في العام 1967 وانتهاء بكل خيباتنا في اليمن والعراق وسوريا وليبيا وغيرها.

نظرية المؤامرة، هي زورق نجاة بعض هذه التيارات، وهي تسعى في تشخيص التجربة وتحديد مواطن الخلل فيها، ومن دون إنكار للمؤامرة والمتآمرين، إلا أن الحقيقة والانصاف يقتضيان القول، إن سبب هزيمة هذه التجارب وفشلها، كامن فيها ... فلا اليسار سعى في تأصيل خياراته الديمقراطية، ولا القوميون نجحوا في التأسيس لعروبة منفتحة على الآخر ومتفاعلة معه، خصوصاً من أبناء القوميات الأخرى الشريكة للعرب في التاريخ والحضارة، فعجرت هذه الحركات، لا عن إنجاز مشروعها الوحدوي فحسب، وإنما في حفظ وحدة وسيادة “الدولة القطرية” المرذولة في خطابهم.

أما عن تجربة التشرذم والتمزق فحدث ولا حرج، فلا القوميون نجحوا في توحيد صفوفهم وجسر خلافاتهم، مع انهم يتبنون مرجعية عريضة واحدة، ولا اليساريون نجحوا بدورهم في لملمة شتات أنفسهم، مع أن مساحة المشترك والجامع في برامجهم أوسع بكثير من مساحة الخلاف والتمايز.

مشوار المراجعة الذي بدأته هذه الأحزاب ما زال في أوله، وأحسب أننا بحاجة لمزيد من الوقت والجهد، قبل أن نتحدث عن “يقظة قومية” أو انبعاث يساري، يحاكي بعض فصول ما حدث في القارة اللاتينية، هذا إن أمكن في الأصل، حدوث شيء مشابه.

 

arabstoday

GMT 07:05 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

لا نهاية للأسئلة الأمريكية

GMT 07:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ترامب المأزوم المهزوم

GMT 07:03 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الموسيقار خالد الأمير غرق في قارورة العسل!!

GMT 07:02 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

بالنقاط

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هل يتواضع الديمقراطيون عند النصر؟

GMT 07:00 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

القوة الناعمة والجاذبية المتضائلة

GMT 06:58 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

أميركا... البندول يتأرجح

GMT 06:57 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

إجبارية التقدم والفرص المتاحة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

يساريون و قوميون يساريون و قوميون



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:04 2018 الأحد ,08 تموز / يوليو

"واتسآب" يمنح مكافآت مالية لمن يحل مشاكله

GMT 06:48 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

جولة بالصور على قصر الراحل دييغو مارادونا

GMT 11:57 2019 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

لعبة بروكسل مع الحكومات الاستقلالية النزعة

GMT 23:11 2018 الإثنين ,24 أيلول / سبتمبر

نصائح للحصول على فخدين ومؤخرة أكثر جمالاً

GMT 06:23 2020 الخميس ,17 كانون الأول / ديسمبر

ماسك زيت السمسم لتطويل الشعر على الطريقة الهندية

GMT 14:04 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

الكُرسِيُّ المَلعون سَبَبُ الخَراب

GMT 09:56 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

فنادق فاخرة في الطبيعة الخلابة لقضاء عطلة صيفية رائعة

GMT 05:13 2020 السبت ,06 حزيران / يونيو

تسريحات للشعر جميلة ومميزة لتكتمل أناقتك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon