نداء النبطية الثاني وتخوم الوعي الجنوبي

نداء النبطية الثاني وتخوم الوعي الجنوبي

نداء النبطية الثاني وتخوم الوعي الجنوبي

 السعودية اليوم -

نداء النبطية الثاني وتخوم الوعي الجنوبي

مصطفى فحص
بقلم : مصطفى فحص

لم يكن «نداء النبطية الثاني» مجرد نداء لإنقاذ مدينة مهددة، ولا مجرد استكمال لنداء سابق حذّر من خطر كان يقترب. ما بين النداءين، انتقل الوضع من مرحلة التحذير إلى مرحلة أصبح فيها الخطر وجودياً بالنسبة إلى مدينة النبطية، بما تمثله لا لأهلها وحدهم، بل لجبل عامل وللبيئة الشيعية الجنوبية بأكملها.

فالنبطية ليست مجرد مدينة تقع في مرمى الحرب. إنها مفصل اجتماعي وثقافي وحضاري في تاريخ جبل عامل، وحاضرة أساسية ذات موقع جغرافي واقتصادي وتعليمي، وهي اليوم، بما تمثله، محاصَرة بالخطر. ولذلك، لم يعد ممكناً التعامل مع ما يجري فيها بوصفه شأناً محلياً أو عسكرياً، بل بوصفه لحظة تستدعي تحذير المجتمع، وخصوصاً المجتمع الجنوبي، من معنى ما يحدث.

لكن أهمية النداء لا تُقاس بعدد الموقعين عليه، ولا بقدرته، في هذه اللحظة، على إنتاج حالة سياسية منظمة. أهميته في أنه فعل سياسي مختلف عن السائد، وفي أنه يفتح نافذة في جدار نمطية طويلة كرّسها «الثنائي الشيعي» في مقاربة المجتمعات الجنوبية، حتى بدا الجنوب أحياناً كأنه كتلة واحدة، وموقف واحد، وصوت واحد.

المجتمعات ليست كذلك. وفي لحظات الخطر والحساسية، تعيد المجتمعات بلورة نفسها، وتبدأ باستعادة قدرتها على التفكير في ذاتها، وعلى الدفاع عن مصالحها، وعلى التمييز بين ما يُقال باسمها وما تريده هي فعلاً.

من هنا، فإن «نداء النبطية الثاني» ليس تنظيماً، ولا حالة انتظام سياسي، ولا إعلاناً عن انقسام داخل البيئة الشيعية الجنوبية. إنه تعبير عن حالة تتبلور أولاً على مستوى الوعي والتفكير الجمعي، وقد تؤسس لاحقاً، إذا نضجت شروطها، لحراك سياسي اعتراضي.

وهنا تكمن دلالته الأعمق. فالحرب لم تدمر الحجر وحده. حروب الإسناد وما تلاها تركت آثاراً اجتماعية واقتصادية ونفسية عميقة، وشتّتت العائلات، وضربت مصادر الرزق، وهددت مدناً وقرى وحواضر هي جزء من الذاكرة الجنوبية. وحين يصبح البيت مهدماً، والمدينة مهددة، والعودة نفسها غير مضمونة، يبدأ السؤال عن الحرب بالتحول إلى سؤال عن الحياة.

يمكن للجنوبي أن يبقى رافضاً للاحتلال، ومتمسكاً بحق الجنوب في الدفاع عن نفسه، ومؤيداً للمقاومة، وفي الوقت نفسه أن يسأل: مَن يقرر الحرب؟ مَن يدفع ثمنها؟ ومَن يحمي المدينة؟ ومَن يضمن أن يبقى الجنوب قابلاً للحياة؟

هنا نصل إلى تخوم الوعي الجنوبي. فالمسألة ليست انتقالاً من حزب إلى حزب، ولا انقلاباً على «الثنائي الشيعي»، بل بداية انتقال محتمل من «المقاومة أولاً» إلى «الجنوب أولاً»؛ من سؤال السلاح إلى سؤال البقاء؛ ومن سؤال: مَن يمثل الطائفة؟ إلى سؤال: مَن يمثل مصالح أهلها؟

ولهذا، تصبح عبارة «بقاء النبطية أهم من بقاء السلاح» أكثر من شعار. إنها إعادة ترتيب للعلاقة بين الوسيلة والغاية. السلاح وسيلة، أما الإنسان والمدينة والأرض والذاكرة فهي الغاية. وإذا أصبحت الوسيلة تهدد الغاية، فمن حق المجتمع أن يسأل وأن يعيد النظر.

الوعي لا يبدأ عندما تتغير المواقف، بل عندما يصبح السؤال ممكناً. لذلك، قد لا يكون «نداء النبطية الثاني» بداية حراك سياسي مكتمل، لكنه بالتأكيد يمهّد لإعادة صياغة الوعي الجمعي. فهو يقول إن الجنوب ليس كتلة صامتة، وإن الجنوبي ليس رقماً في ميزان المحاور، وإن المدن ليست مجرد مواقع في معركة. الجنوب مجتمع يريد أن يحيا، ومدن يريد أهلها أن تبقى، وذاكرة لا تريد أن تتحول إلى ركام.

ومن هنا، فإن قيمة النداء ليست فقط في إنقاذ النبطية اليوم، بل في فتح الطريق أمام سؤال أكبر: هل يستطيع الجنوب أن يستعيد حقه في تعريف مصلحته بنفسه؟

وعليه، ربما يكون «نداء النبطية الثاني» أول خطوة على هذا الطريق.

إنه يقف عند تخوم وعي جديد، لم يكتمل بعد، لكنه بدأ يتشكل.

 

arabstoday

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

GMT 08:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السودان في مواجهة مخطط صناعة الدولة الفاشلة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نداء النبطية الثاني وتخوم الوعي الجنوبي نداء النبطية الثاني وتخوم الوعي الجنوبي



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:52 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا
 السعودية اليوم - السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف

GMT 06:16 2012 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مستمرة بالتقدم رغم صعوبة كفاح السينما العربية

GMT 22:43 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2017

GMT 13:51 2017 الإثنين ,17 تموز / يوليو

فشل الارهاب و سقوط الاقنعة

GMT 17:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

فوائد زيت النعناع الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon