إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقيا

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقيا

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقيا

 السعودية اليوم -

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقيا

لحسن حداد
بقلم - لحسن حداد

هل أصبحت أفريقيا فعلاً أكثرَ صلابةً مما كانت عليه في الماضي؟ حسب «ذي إيكونوميست» (21 مارس/ آذار 2026)، فقد غدت أقوى مما كنا نظن، إذ تستقطب استثمارات تفوق في قيمتها حجمَ المساعدات، وهو ما يعكس تحولاً في نمط نموها، القائم على الاستثمار الخارجي وتعاظم دور الفاعلين المحليين. ورغم التحديات الكبيرة التي لا تزال قائمة، فقد باتت القارة تُعدُّ وجهة اقتصادية استراتيجية، خاصة في عالم يتسم بعدم اليقين وعدم الاستقرار.

الإطار السردي واضح: أفريقيا تتقدم، ولكن تحت الوصاية الفكرية والسردية للغرب. فالمقال يؤكد على صلابة أفريقيا، لكنه يحافظ على إطار مُضمَر تُقيَّم فيه القارة وفق معايير خارجية، مثل الاستثمار الأجنبي، والأسواق، والديون، وصندوق النقد الدولي. وهكذا، يُقاس نجاحها بمدى تدفق الاستثمارات الأجنبية، ورضا الأسواق المالية، وموقف المستثمرين الغربيين منها. من هذا المنظور، لا تُقدَّم أفريقيا بوصفها فاعلاً، بل بوصفها حالةً اقتصاديةً خاصةً، موضوعاً يُقاس ويُراقَب، لا كذاتٍ تُعرّف مسارها بنفسها. في هذا الإطار، لا تُقرأ أفريقيا كما هي، بل كما يريدها الآخرون أن تكون.

إن غلبة الاستثمار على المساعدات حقيقة لا يمكن إنكارها، لكنها تبسيط مخلّ، وتحمل في الوقت نفسه شحنة آيديولوجية زائدة. فما لا يقوله المقال هو أن الاستثمار قد يكون ذا طابع استخراجي بحت، أي موجهاً أساساً نحو استخراج الثروات، دون أن تستفيد منه الساكنة المحلية. كما أنَّ بعض الاستثمارات المباشرة قد تُنتج شكلاً جديداً من التبعية، حيث تبقى سلاسل الإنتاج خاضعة للتحكم الخارجي. وهكذا، لا يتم تجاوز التبعية، بل يُعاد تشكيلها: من تبعية للمساعدات إلى تبعية لرأس المال.

فالتحول في الأدوات لا يعني بالضرورة تحولاً في طبيعة العلاقة.

يعترف المقال بأنَّ أفريقيا ليست وحدة متجانسة، لكنه يستمر، رغم ذلك، في الحديث عنها وكأنها كيان اقتصادي موحد، مما يعيد إنتاج التصورات النمطية القديمة حول «أفريقيا». فهو يخلط بين حالات مختلفة مثل المغرب، ومنطقة الساحل، ونيجيريا، ودول الجنوب الأفريقي؛ مما يؤدي إلى طمس النجاحات الخاصة بكل دولة أو منطقة. هذا الاختزال ليس جديداً، بل هو امتداد مباشر لسرديات غربية ترسخت منذ الحقبة الكولونيالية.

طغيان المنطق المالي واضح في مقاربة الغرب لأفريقيا، إذا اعتبرنا، افتراضاً، أن «ذي إيكونوميست» تمثل هذا التفكير. فالتحليل يعتمد أساساً على مؤشرات مثل السندات، والأسواق، والاستثمارات المباشرة، ومعدلات النمو، لكنه يتجاهل تماماً التحولات الاجتماعية، ونوعية الحكامة المحلية، والرأسمال البشري الحقيقي، وأشكال الابتكار غير المهيكلة، وهي عناصر تُعدّ من الخصوصيات الأفريقية البارزة. فما لا يُقاس بمنطق السوق يُستبعد ببساطة من التحليل، وكأنه غير موجود.

وكأن القيمة لا تُختزل إلا فيما يمكن تسعيره.

ينتقد المقال الفساد، والاستبداد، وانسداد الأفق السياسي، وهي قضايا واقعية، غير أن هذا النقد يظل سطحياً وانتقائياً. إذ يغيب عنه تحليل النماذج الأفريقية المختلطة، ومفارقة الاستقرار في مقابل الديمقراطية المستوردة، فضلاً عن دور الدول ذات الثقل الاستراتيجي مثل رواندا، والمغرب، وإثيوبيا وغيرها. كل ما لا ينسجم مع النموذج الغربي يُختزل في خانة الخلل أو الانحراف.

كما يتضمن المقال استغلالاً جيوسياسياً مُضمَراً؛ إذ يشير إلى أن أفريقيا أصبحت أكثر جاذبية لأنَّ بقية العالم يعيش حالة من اللااستقرار. الترجمة الفعلية لهذا الطرح هي اختزال أفريقيا في «ملاذ آمن» ضمن أزمة عالمية.

وهذا يعكس نظرة انتهازية أكثر منها تشاركية، حيث تُختزل القارة في مجرد متغير ضمن معادلة تقييم عالمية، لا كفاعل مستقل يمتلك دينامياته الخاصة ورؤيته التنموية.

ما لا يريد الغرب أن يراه هو أنَّ التَّحول الكبير الذي تعيشه أفريقيا ليس اقتصادياً فقط، بل هو أيضاً تحول سردي، يتجلَّى في إعادة التأكيد على الانتماء الأفريقي والسيادة. وهو كذلك تحول مؤسسي، يقوم على أقطاب فعالة، وتحول جيوسياسي، حيث لا ترغب أفريقيا في الانخراط ضمن قطبية واحدة، بل تسعى إلى تعددية قطبية. غير أن المقال يعجز عن تمثّل هذه التحولات أو تحليلها. إنه انتقال من موقع التكيّف إلى موقع إعادة تعريف قواعد اللعبة نفسها.

وهكذا، فالمقال - ومعه جزء من الخطاب الغربي - يعترف بأن أفريقيا لم تعد قارة في حاجة إلى المساعدة، لكنَّه يظل حبيس برمجية قديمة، تقيس أفريقيا بمنطق الأسواق وتدفقات الرساميل والنظرة الخارجية. وعندما يتم استبدال الاستثمار بالمساعدة، دون التساؤل عن طبيعة هذا الاستثمار، فإن ذلك لا يعني التحرر من التبعية، بل استبدال تبعية بأخرى.

أما التحول الأفريقي الحقيقي، القائم على السيادة السردية والمؤسسية والاستراتيجية، فلا يزال خارج أفق هذا التحليل. وليست المشكلة في أن أفريقيا لا تُفهم، بل في أن الأدوات التي يُراد فهمها بها لم تعد صالحة.

arabstoday

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

GMT 08:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السودان في مواجهة مخطط صناعة الدولة الفاشلة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقيا إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقيا



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف

GMT 06:16 2012 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مستمرة بالتقدم رغم صعوبة كفاح السينما العربية

GMT 22:43 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2017

GMT 13:51 2017 الإثنين ,17 تموز / يوليو

فشل الارهاب و سقوط الاقنعة

GMT 17:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

فوائد زيت النعناع الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon