للشعب السعودى مكانة خاصة فى قلوب المصريين منذ عشرات السنين.. فى السعودية مكة المكرمة، أقدس الأشياء والأماكن فى الإسلام، وفيها المدينة المنورة بقبر سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، وفيها صحابته رضوان الله عليهم. والمصرى يعشق الأرض الطيبة حجًّا وعملًا وتبركًا، إنها أرض النبى.
ــــ ومنذ سنوات بعيدة، وأنا من عشاق السعودية، الأرض والمكان والبشر، ولى فيها مئات الأصدقاء والأحباب. والشعب السعودى يحمل سمات المكان: طيبةً وتواصلًا وودًّا.
لى عدد كبير من الأصدقاء، سمو الأمير طلال بن عبد العزيز، والشاعر المبدع خالد الفيصل، ود.عبدالعزيز خوجة، وعبد الله الجفرى، وسعيد طيب، وعبد المقصود خوجة، ود.عبده يمانى، والفنان محمد عبده. والوزير أحمد قطان.
ــــ والإنسان السعودى بسيط فى حياته، وقد ترك المكان والأرض أشياء كثيرة اتسمت بها شخصيته وتكوينه. وفى مصر آلاف السعوديين الذين اختاروها وطنًا، وكانت لنا ذكريات كثيرة مع الملك سلمان حين كان أميرًا للرياض، وكان كتّاب مصر يلقون اهتمامًا خاصًّا فى السعودية، أنيس منصور ويوسف إدريس ومصطفى محمود ومحمود السعدنى وأحمد بهجت ورجاء النقاش..
ــــ أتمنى أن يتجاوز الشعب السعودى ظروف الحرب، وتبقى السعودية مزارًا لكل المسلمين، وتبقى السعودية فى قلب كل مصرى، أرض النبوة ومهبط الوحى ودار الحب والأمن والسلام.
ــــ وسوف تعبر العاصفة كما عبرت من قبل كل العواصف، وتبقى بلد الحرمين صامدة بشعبها ومكانتها فى قلوب الملايين، ومصر لن تتردد فى الدفاع عن الأرض المقدسة دينًا وأرضًا وشعبًا.
ــــ لا تقارن الأوطان ببعضها؛ لأن لكل وطن مقومات وجوده ودوره وحياة شعوبه، واختلفت مقومات الوجود حسب الموقع والإمكانات والموارد والبشر، ولكن هناك أوطانا استثنائية منحها الله مكانًا ودورًا يتجاوز قدرات الآخرين، وهذا الاستثناء ينطبق على المملكة العربية السعودية.
ــــ فقد انفردت فى المكان واختصت بالرسالة، وبُنيت فيها الكعبة الشريفة، إن أول بيت وُضع للناس بمكة، وفى الرحاب الطيبة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام فى المدينة المنورة، وفى أرض السعودية هبط الوحى على رسولنا الكريم، وكانت بداية الخلق على عرفات بين آدم وحواء، وكانت بداية التاريخ والزمن.
هذه حقائق الأحداث كما عبرت فى تاريخ البشر.
ــــ نحن أمام مكان فريد، وأمام رسالة غيرت وجه الكون، وأمام قرآن نزل وحيًا من السماء هداية للناس ودليلًا. نحن أمام دين ونبى وقرآن ورسالة، وهذه المعجزة الكونية كانت فى هذه الأرض المقدسة، أن يظهر على ربوعها نبى يهدى الناس جميعًا، ويمهد الطريق نحو عالم من الحق والعدل والرحمة..
ــــ من هذه المقومات استمدت السعودية مكانتها فى قلب العالم، دورًا ومكانة ودينًا. ولا شك فى أن قدسية المكان وصدق الدعوة وما حملته الأحداث كانت مقدمة للدور السعودى كأرض للنبوة والدعوة إلى الإسلام.
ــــ مرت عصور كثيرة، وارتبطت الدولة السعودية بالعقيدة التى ظهرت على أرضها مكانًا ونبيًّا وقرآنًا ورسالة. ومن هذا المنطلق جاءت قدسية الوطن الذى حمل الإسلام هداية للناس جميعًا، وانطلقت الرسالة وتجاوزت حدود الأوطان والبشر لتصبح السعودية قلب العالم الإسلامى، ويصغر كل شيء، ويتجاوز الإسلام حدود الأوطان ويصبح دين العالم كله.
ــــ عبرت عصور كثيرة على السعودية، حربًا وسلامًا وأمنًا واستقرارًا. كبرت السعودية ولم تعد وطنًا ظهرت فيه دعوة؛ لأن الدعوة تجاوزت حدود الوطن لتصبح دعوة كونية، وقد أضاف ذلك حدودًا أخرى فى الزمن والمساحة وامتداد الأفق. فلم تعد السعودية مجرد وطن، ولكنها بالإسلام أصبحت أمة.
ــــ توحدت السعودية بعد أزمنة شتات على يد الملك عبد العزيز آل سعود، لتحمل اسمها الجديد: المملكة العربية السعودية. قليلة هى الأوطان التى صنعت أمة، ولكن السعودية بفعل الأمر الواقع أصبحت أمة بكل ما حمله تاريخ الأمم، وتجاوزت حدود نجد والحجاز، وانطلقت نحو أفق أبعد من مكونات الأوطان.
ــــ لا بد أن نعترف أن السعودية هبة الإسلام، كما يقال إن مصر هبة النيل. فلم تعد السعودية دولة بحسابات الدول، ولكنها تحولت إلى فكرة تجاوزت حدود الأرض والبشر والزمان، وأصبحت بالإسلام تجمع تحت رايتها ملايين البشر باختلاف أجناسهم ولغاتهم وأماكنهم.
ــــ وما بين الحوار والإيمان والفكر والانتشار، تدفقت ملايين البشر، وأصبح الإسلام يجمع شعوب العالم على دين تجلى فى صحراء نجد، وبلغ الآن ملايين البشر. من هنا، فإن السعودية لم تعد وطنًا، إنها أمة تحمل كل مقومات الأمم: ثقافةً ولغةً وطقوسًا وانتشارًا.
ــــ وتقف السعودية الآن وقد تغيرت كل حساباتها القديمة. إن صحاريها أصبحت بالبترول أغلى ما تنتجه الأرض، واتجه العالم إلى هذه الأرض التى غيرت المفاهيم والأفكار لتصبح الأغنى، وتحولت إلى أمة يعمل العالم لها ألف حساب.
ــــ كان من الضرورى أن تواجه السعودية تحديات كثيرة. إنها جعلت الإسلام فكرة كونية تهدد ثوابت الآخرين، وخاضت حروبًا وانتصرت، واقتحمت تحت راية الإسلام جحور الإلحاد والجهل.
ــــ فى الفترة الأخيرة زادت الضغوط على السعودية سياسيا وأمنيا وعسكريا وماليا، مما جعل السعودية تتجه إلى توقيع اتفاقات أمنية مع تركيا وباكستان، وتستعين بجيش مصر فى مواجهة الحوثيين، رغم أن السعودية لم تواجه تحديات أمنية منذ فترة طويلة، وما زالت السعودية تعانى توتر العلاقة مع أمريكا، وبعضها بسبب دول الخليج ومحاولة فرض التطبيع مع إسرائيل.
بل إنها تجرى مفاوضات مع إيران حتى لا تشارك فى الحرب بين أمريكا وإيران. إن السعودية تتعرض لتحديات أمنية لم تواجهها من قبل.
ــــ وما بين معارك الفكر ومعارك المال والسيطرة واحتلال الأرض تدور المعارك، وتجد السعودية نفسها وسط أطماع الآخرين، وتتحول معارك الدين إلى مذابح سياسية للسطو على الأدوار والأموال والموارد، وما زالت المعارك...
ــــ الخلاصة تبقى المملكة العربية السعودية وطنًا ليس ككل الأوطان، وأرضًا وضع الله فيها كثيرًا من أسراره. إنها مهد رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام، ومصدر دعوته، وهى الوحى وجبريل والتنزيل والقرآن. وعلى ثراها مكة والكعبة، أول بيت وضع للناس، وقبر المصطفى فى المدينة المنورة، وعرفات، وأول لقاء بين آدم وحواء، ودعوات العدل والحق والرحمة
تبقى السعودية أرضًا ووطنًا وسماءً غير كل الأوطان، فما زالت سيرة المصطفى تطوف فى أرجائها، وما زالت مزارًا وحجًا وعمرة، وكل مكان فيها يصلى على سيد الخلق: السلام عليك يا نبى الرحمة.
ويبقى الشعر
أنتزعُ زمانكِ منْ زَمنِي
ينشَطرُ العُمرْ
تنزِفُ في صَدْري الأيام
تُصبحُ طوفـَانَـا يُغرقـُني
ينشَطرُ العالمُ من حوْلي
وجهُ الأيام ِ.. بِلاَ عينيْن
رأسُ التاريخِ .. بلا قدَمينْ
تنقسمُ الشمسُ إلى نصفينْ
يذوبُ الضوءُ وراءَ الأُفقِ
تصيرُ الشمسُ بغير شعاعْ
ينقسمُ الليلُ إلى لَونينْ
الأسْودُ يعصفُ بالألوانْ
الأبيضُ يسقُطُ حتَّى القاعْ
ويقُولُ الناسُ دُموعَ وداعْ ..
◙ ◙ ◙
أنتزعُ زمانِكِ من زَمنِي
تتراجعُ كلُّ الأشياءْ
أذكرُ تاريخًا .. جمَّعنَا
أذكر تاريخًا .. فرَّقنَا
أذكرُ أحلاما عشْناهَا بينَ الأحزانْ
أتلوَّن بعدَكِ كالأيامْ
في الصبح ِأصيرُ بلون الليلْ
في الليَّل ِأصيرُ بلا ألوانْ
أفقدُ ذاكرَتِي رَغمَ الوهْمِ
بأنى أحيا كالإنسَانْ ..
ماذَا يتبقى مِنْ قلبِي
لو وُزِّعَ يومًا في جَسدَينْ
مَاذا يتبقى مِنْ وجهٍ
ينشَطِرُ أمامِي فِي وجهَينْ
نتوحدُ شوقـًا في قلبٍ ..
يشْطـُرنا البُعدُ إلى قلَبينْ
نتجَمَّع زَمنًا في حُلمٍ
والدهرُ يُصرُّ على حُلمَينْ
نتلاقَى كالصبحِ ضياءً
يَشْطرُنا الليلُ إلى نِصفينْ
كلُ الأشياءِ تفرقـُنَا في زمنِ الخَوفْ
نهربُ أحيانـًا في دَمِنا
نهربُ في حزنٍ .. يَهزِمُنا
مازلتُ أقولْ ..
إن الأشجارَ وإن ذبـُلتْ
في زمنِ الخوفْ
سيَعودُ ربيعٌ يُوقظُها بينَ الأطلالْ
إن الأنهارَ وان جَبُنتْ فى زَمنِ الزَّيفْ
سَيجىءُ زمانٌ يُحيِيهَا رغم الأغلالْ
مازِلتُ أقولْ
لو ماتتْ كلُّ الأشْياءْ..
سَيجىءُ زمانٌ يشعرنا أنَّا أحياءْ
◙ ◙ ◙
وتثـُور قبورٌ سئمتنَا
وتَصيحُ عليهَا الأشلاءْ
ويموتُ الخوفُ ..يموتُ الزيفُ ..يموتُ القهر ُ
ويسقطُ كلُّ السُفهاءْ
لنْ يبقَى سَيفُ الضُّعفاءْ
سيموتُ الخوفُ وتجْمعُنا كلُ الأشياء
ذراتكِ تعبرُ أوطانًا
وتدورُ وتبحثُ عن قلبِي في كل مكانْ
ويعودُ رمادكِ لرمادي
يشتعلُ حَريقا يحملنَا خلفَ الأزمانْ
وأدورُ أدورُ وراءَ الأفقِ
كأني نارُ في بُركانْ
ألقِي أيامي بينَ يديكِ
همومَ الرحْلةِ والأحزان
تلتئمُ خلايا ..وخلاَيا
نتلاقَى نبضًا وحنايا
تتجمَع كلُّ الذراتْ
تصبحُ أشجارا ونخيلا
وزمانَ نقاءٍ يجمعُنا
وسَيصرخُ صمتُ الأمواتْ
تُنبتُ في الأرضِ خمائلَ ضوءٍ ..أنهارا
وحقولَ أمانٍ في الطـُرقاتْ
نتوحدُ في الكونِ ظلالا
نتوحدُ هدْيا ..وضلالا
نتوحدُ قُبحًا وجمالا
نتوحدُ حسََّّّا وخيالا
نتوحدُ في كل الأشياءْ
ويموتُ العالمُ كى نبقَى
نحنُ الأحياءْ
من قصيدة «سيجىء زمان الأحياء» سنة 1986