الحوار السوداني حين يصبح الوطن هو البوصلة

الحوار السوداني... حين يصبح الوطن هو البوصلة

الحوار السوداني... حين يصبح الوطن هو البوصلة

 السعودية اليوم -

الحوار السوداني حين يصبح الوطن هو البوصلة

عثمان ميرغني
بقلم : عثمان ميرغني

لا يختلف اثنان على أن السودان يعيش محنة قاسية فرضتها الحرب وتداعياتها والتدخلات فيها، وأن المواطن السوداني يدفع اليوم الثمن الأكبر. ومَن يتجول في شوارع الخرطوم بمدنها الثلاث يرى حجم الدمار الهائل، ويلمس شدة معاناة الناس، وفي الوقت نفسه يلمس تمسكهم بأمل تعافي الوطن واستعادة عافيته.

من قلب هذه المعاناة تأتي مبادرة لجنة تهيئة الحوار السوداني - السوداني؛ مبادرة هدفها إعداد وتيسير الحوار لا احتكاره، ومهمتها جمع الأطراف وصولاً إلى توافق وطني شامل. وقد أكدت اللجنة، منذ انطلاقتها هذا الأسبوع، انفتاحها على الجميع، بعد أن حصلت على ضمانات مطلوبة من الدولة لتيسير انعقاد الحوار وحماية المشاركين وسلامتهم.

وشددت اللجنة في بيانها وتصريحاتها على أنها لا تفرض على المؤتمرين أجندة جاهزة، وإنما تعمل على تجسير الهوة بين الأطراف، عبر اللقاءات والمشاورات، للوصول إلى أجندة يتوافقون عليها. كما أن اللجنة لا تحمل مخرجات مسبقة تمليها على أحد، بل يحدد المؤتمرون مخرجاتهم بأنفسهم، بالتوافق.

ورغم أن الهدف محدد في حوار يعقد داخل السودان، فإن الدولة لن تكون الجهة الداعية له، ولا الجهة التي تحدد أجندته أو مخرجاته. ويقتصر دورها على توفير الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية اللازمة لانعقاده في بيئة آمنة. وقد جرى قوننة هذه الضمانات بمراسيم توثق في الجريدة الرسمية، بما يوفر حماية للمشاركين في الحوار ولكل من يريد الإدلاء برأيه من خارج قاعته.

الحوار المطلوب ليس مجرد مؤتمر أو لقاء سياسي، بل عملية وطنية تقوم على المشاركة الحقيقية لمختلف المكونات السياسية والمدنية والمجتمعية، وتسعى إلى تحقيق التوافق ولمّ الشمل. كما أن أي دعم إقليمي أو دولي ينبغي أن يكون معيناً للحوار السوداني، وليس بديلاً عن القرار السوداني. تابعالأخبار السياسية

ولعل اللافت هو حجم التفاعل مع المبادرة، من القوى المختلفة والشارع السوداني ووسائل التواصل الاجتماعي، فضلاً عن الاهتمام الإقليمي والدولي. وقد مثّل ترحيب مفوضية الاتحاد الأفريقي السريع بالمبادرة، باعتبارها حواراً يدار من داخل السودان وبواسطة لجنة من أبنائه، دفعة مهمة لهذا المسار؛ خصوصاً مع تأكيد مبادئ الشمولية والملكية والقيادة السودانية.

لكن بعض الأصوات انتقدت هذا الموقف، وذهبت إلى حد اعتبار دعم الحوار في عاصمة البلاد دعماً لتقسيم السودان. وهنا يحق طرح السؤال: كيف يمكن أن يكون دعم الحوار في الخرطوم، عاصمة البلاد، مدخلاً إلى تقسيم السودان؟ أليس عقد الحوار في عاصمة الدولة تأكيداً على وحدتها وسيادتها؟ وفي المقابل، ألا ينطوي إبعاد العاصمة عن هذا المسار، ولو بصورة غير مباشرة، على خطر تكريس واقع السلطات الموازية ومفاهيم التقسيم؟

المبادرة، في جوهرها، تسعى إلى جمع السودانيين حول طاولة واحدة لطرح قضايا بلدهم وهمومه، تحت سقف ثوابت وطنية واضحة تحمي سيادته ووحدته.

هناك أيضاً مَن يقول إن الحوار لا يمكن أن يبدأ قبل وقف الحرب، وإنه لا معنى للجلوس إلى طاولة سياسية بينما المعارك مستمرة. غير أن اشتراط وقف الحرب أولاً قد يعني عملياً تعطيل المسار السياسي، وترك البلاد رهينة للعمليات العسكرية، والتدخلات الخارجية، بينما تتفاقم معاناة المواطنين. والأجدى أن يُنظر إلى الحوار باعتباره أحد المسارات التي يمكن أن تساعد على وقف الحرب، لا نتيجة يجب انتظارها قبل بدء أي حوار.

الحرب لم تنشأ من فراغ؛ فقد سبقتها خلافات ومماحكات وصراعات إقصاء شلت الفترة الانتقالية وشحنت الأجواء، حتى أصبح التلويح بالحرب أعلى من صوت العقل. ولذلك فإن التوافق بين القوى السياسية والمدنية والمجتمعية حول خريطة طريق للخروج من الأزمة، وترتيبات تقود في نهايتها إلى انتخابات وحكم مدني، يمكن أن يهيئ البيئة اللازمة لإنهاء الحرب.

وفي ظل أزمة ثقة عميقة، ليس مطلوباً أن يبدأ الحوار بأكثر القضايا خلافاً. يمكن أن يبدأ بما يجمع السودانيين، لبناء الثقة، ثم الانتقال إلى الملفات الشائكة بروية وصبر. كما ينبغي أن تشمل المشاورات النساء والشباب والنازحين واللاجئين والمغتربين، بما يعكس حقيقة التنوع السوداني.

المغزى الأعمق من المبادرة هو أن يكون الحوار في حضن الوطن، لا في فنادق العواصم الأجنبية، وأن يسمع السودانيون بعضهم بعضاً وسط معاناة بلدهم، لا من خلف جدران المسافات. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت الحاجة إلى أن يستعيد السودانيون زمام قرارهم.

السودان لا يحتاج في هذه اللحظة إلى مماحكات السياسة، بل إلى سودانيين يجلسون معاً ليتحدثوا عن مستقبله. وإذا كان وقف الحرب هو الهدف العاجل، فإن بناء التوافق هو الطريق إليه، وإذا كان المطلوب أن تكون هذه آخر حروب السودان، فلا بد أن يبدأ ذلك بحوار سوداني شامل، لا يفرض وصاية على أحد، ويضع مصلحة الوطن فوق مصالح المتخاصمين.

فربما تكون أهم خطوة نحو إنهاء الحرب هي أن يجد السودانيون، أخيراً، طاولة تتسع أطرافها للجميع.

 

arabstoday

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

GMT 08:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السودان في مواجهة مخطط صناعة الدولة الفاشلة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحوار السوداني حين يصبح الوطن هو البوصلة الحوار السوداني حين يصبح الوطن هو البوصلة



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:52 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا
 السعودية اليوم - السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف

GMT 06:16 2012 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مستمرة بالتقدم رغم صعوبة كفاح السينما العربية

GMT 22:43 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2017

GMT 13:51 2017 الإثنين ,17 تموز / يوليو

فشل الارهاب و سقوط الاقنعة

GMT 17:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

فوائد زيت النعناع الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon