الخليج حين يفشل الاختراق وتنجح المناعة

الخليج... حين يفشل الاختراق وتنجح المناعة

الخليج... حين يفشل الاختراق وتنجح المناعة

 السعودية اليوم -

الخليج حين يفشل الاختراق وتنجح المناعة

محمد الرميحي
بقلم : محمد الرميحي

لم تكن 40 يوماً من الحرب الضروس بين الولايات المتحدة وإيران حدثاً عابراً في سجل المنطقة، بل كانت اختباراً قاسياً لقدرة الدول على الصمود تحت ضغط النار والسياسة معاً، كانت حرباً متوقعة في نفس الوقت. ومع أن آلاف الصواريخ والمسيّرات، التي تجاوز عددها 7 آلاف، استهدفت منشآت حيوية ومدنية في مدن مجلس التعاون قاطبة، ومع اشتداد التجاذب الدولي الذي دخل على خط الحرب، ومحاولات كل طرف تعظيم مكاسبه، فإن النتيجة الأبرز التي تكشّفت بهدوء هي أن دول الخليج بقيت عصية على الاختراق، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً ومجتمعياً أيضاً.

هذا الصمود لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج تراكم طويل من بناء الدولة الحديثة في الخليج العربي، حيث برز أولاً عامل الصبر الاستراتيجي لدى القيادات الخليجية كعامل حاسم في الردع؛ فقد أدركت هذه القيادات أن الانجرار وراء الاستفزاز الإيراني ليس سوى فخ لتوسيع رقعة الصراع، وإضفاء شرعية على تصعيد أكبر واستهداف أوسع وذريعة أمام العالم؛ لذلك، جاء الرد محسوباً، لا يفرط في السيادة، ولا يمنح الخصم ما يريد تحقيقه من أهداف. هذه الحكمة السياسية نتيجة تجارب متراكمة لدى القيادات الخليجية، أعادت تعريف مفهوم القوة، فلم تعد القوة في سرعة الرد، بل في دقة التقدير، وضبط الإيقاع، وعدم الانزلاق.

العامل الثاني تمثل في التماسك المجتمعي، وهو عنصر غالباً ما يُغفل في تحليل الأزمات. لقد أظهرت شعوب الخليج درجة عالية من الوعي والتماسك الصلب، حيث تلاحمت مع قياداتها، ورفضت الانجرار خلف حملات تضليل منصات التواصل الاجتماعي، التي تسعى إلى إيقاع الفتنة. هذا الوعي لم يكن سطحياً، بل نتاج تجربة طويلة مع الأزمات، جعلت المُواطن يدرك أن الفتنة الداخلية أخطر من أي تهديد خارجي. وهنا برزت مناعة مجتمعية حقيقية حالت دون أي اختراق ناعم يمكن أن يزعزع الاستقرار.

أما العامل الثالث، فهو الكفاءة في إدارة سلاسل الإمداد، وهو جانب حاسم في زمن الحروب. لقد لعبت المملكة العربية السعودية دوراً محورياً في تأمين تدفق الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية لعواصم الخليج، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها اللوجيستية. وبفضل هذا التنسيق الخليجي، لم يشعر المواطن بأي نقص يُذكر، وهو ما يعكس نضجاً مؤسسياً في إدارة الأزمات. استمرار الخدمات العامة بكفاءة، في ظل ظروف استثنائية، كان رسالة واضحة بأن الدولة قادرة على العمل حتى تحت الضغط الأقصى دون ارتباك.

إلى جانب ذلك، برزت سياسة الاتقاء الخليجية كأحد أهم عناصر النجاح. هذه السياسة، التي تقوم على تجنب التصعيد غير الضروري، لم تكن تعبيراً عن ضعف، بل عن فهم عميق لطبيعة الصراع؛ فقد نجحت دول الخليج في تقليل الخسائر الاقتصادية إلى أدنى حد ممكن، رغم التهديدات المباشرة لمنشآتها الحيوية. تم الحفاظ على استقرار الأسواق، واستمرت عجلة الاقتصاد في الدوران، وهو إنجاز في حد ذاته في ظل حرب إقليمية مفتوحة. هذا التوازن بين الأمن والاقتصاد يعكس نضجاً في إدارة الدولة الحديثة.

ولا يمكن إغفال دور القوة الناعمة الخليجية التي تجلت في الأداء الإعلامي والدبلوماسي؛ فقد استطاعت المؤسسات الإعلامية والأفراد النشطاء من أهل الرأي، نقل صورة متوازنة للأحداث، بعيداً عن التهويل أو التهوين؛ ما أسهم في تشكيل وعي عام متزن. وعلى الصعيد الدبلوماسي، نجحت دول الخليج في الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، وتجنب الانحياز، وهو ما وفر لها هامش حركة واسعاً في التعامل مع تداعيات الأزمة، وكسب الرأي العام العالمي.

وفي البعد العسكري، أثبتت القدرات الدفاعية الخليجية جاهزيتها، حيث تم تحييد نسبة كبيرة من الصواريخ والمسيّرات، وهو ما يعكس تطور منظومات الردع والتكامل الدفاعي الذي قاده رجال الدفاع في مختلف تشكيلاتهم. هذا النجاح لم يكن تقنياً فقط، بل هو نتيجة استثمارات طويلة في بناء قدرات دفاعية وإنسانية متقدمة، وشراكات استراتيجية مدروسة.

ما تكشف خلال هذه الأزمة هو أن «النموذج الخليجي» لم يعد مجرد تجربة تنموية ناجحة، بل أصبح نموذجاً في إدارة الأزمات المركبة، نموذجاً يجمع بين الحكمة السياسية، والتماسك الاجتماعي، والكفاءة الاقتصادية، والقدرة الدفاعية. ومع ذلك، فإن هذا النجاح يفرض مسؤولية مضاعفة؛ إذ بدأت أصوات نخب خليجية تدعو إلى البناء على ما تحقق، عبر خطوات أكثر تكاملاً، مثل تعزيز التنسيق الأمني، وتطوير البدائل الاستراتيجية للممرات الحيوية، وتوسيع العمل الدبلوماسي الجماعي.

الخليج، اليوم، يقف في محيط مضطرب، تحيط به صراعات مفتوحة وأخرى كامنة، كفوهات براكين، قد تثور في أي لحظة؛ لذلك، فإن الحفاظ على هذه المناعة يتطلب استمرارية في تطوير النموذج، وعدم الركون إلى ما تحقق؛ فالتاريخ في هذه المنطقة لا يكافئ من يكتفي بالنجاح، بل من يستعد لما بعده.

الدرس الأهم هو أن هذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت اختباراً لنضج الدولة والمجتمع. وقد نجحت دول الخليج في هذا الاختبار، ليس لأنه الأقوى فقط، بل لأنه الأكثر توازناً في استخدام قوته.

آخر الكلام: الصبر قوة، والتماسك حصن.

arabstoday

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

GMT 08:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السودان في مواجهة مخطط صناعة الدولة الفاشلة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخليج حين يفشل الاختراق وتنجح المناعة الخليج حين يفشل الاختراق وتنجح المناعة



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon