تحولات المشهد في حوض الخليج العربي

تحولات المشهد في حوض الخليج العربي

تحولات المشهد في حوض الخليج العربي

 السعودية اليوم -

تحولات المشهد في حوض الخليج العربي

محمد الرميحي
بقلم : محمد الرميحي

عند قراءة ما سُرّب من معلومات عن العرض المقدم من إيران للوصول إلى إنهاء الحرب، تعتقد للوهلة الأولى أنه عرض استسلام للطرف الآخر، وأن الوقت كفيل بإنهاء الصراع كما تشتهي طهران، وسوف نسمع من هذا الكلام الكثير!

في لحظات الأزمات الكبرى، تنكشف طبيعة التفكير السياسي للدول، ليس في وضعها العسكري، بل في طريقة قراءتها للواقع. ما يثير الانتباه في السلوك الإيراني، هو الميل إلى تقديم "عروض المنتصرين" حتى في لحظات لا تسندها الوقائع الميدانية. أتحدث عن نمط تفكير يخالف المنطق، ويقترب مما يمكن تسميته ب"التفكير الأعوج" كما تناوله أحد إصدارات "عالم المعرفة" حول الفرق بين التفكير المستقيم والتفكير الأعوج، في كتاب بذلك العنوان صدر في آب/ أغسطس عام 1979.

التفكير السليم، كما يقرره علم المنطق، يقوم على قراءة الوقائع، ثم بناء الاستنتاجات عليها. أما التفكير الأعوج، فينطلق من قناعة مسبقة، ثم يبحث عن أدلة منتقاة لتأكيدها، أو يستند على عنصر واحد ويتجاهل العناصر الأخرى الأكثر تأثيراً.

تبعات خطيرة
في الحالة الإيرانية، تبدو هذه الآلية واضحة في التعامل مع العالم؛ تموّل الأذرع وتدعي أن ليس لها علاقة بها. تثير الأزمات وتدّعي البراءة... النتيجة معروفة سلفاً: "نحن منتصرون" ثم تُعاد صياغة الأحداث لتخدم هذا الاستنتاج.

هذه ليست مسألة خطاب داخلي لبيع الوهم للجمهور، بل لها تبعات سياسية خطيرة. حين تصر دولة على قراءة نتائج الصراع الذي دخلته بعكس النتائج المشاهدة، فإنها تدخل المفاوضات بعين واحدة، وتفقد القدرة على تقديم تنازلات واقعية.

بل أكثر من ذلك، قد ترفع سقف مطالبها في لحظة تستدعي خفضه، وهو ما يطيل أمد الأزمات. هي تختار بين الأدلة ما يخدم رأيها، ثم تتصرف وكأنها رأت الصورة بأكملها، بل إن بعض أصواتها يقول إن أميركا تصرخ أكثر من مرة مستجدية وقف الحرب!

انتقاء الأدلة
كتاب "التفكير المستقيم والتفكير الأعوج" يشير إلى أن أحد أخطر أشكال التفكير الأعوج هو "انتقاء الأدلة"، أي اختيار ما يدعم الفكرة وتجاهل ما ينقضها. في الخطاب الإيراني، نرى تركيزاً على جزئيات محددة، هنا، أو هناك، وتجاهلاً للكلفة الكلية على المجتمع الإيراني بكل مكوناته: اقتصاد متآكل، بنية تحتية متضررة، وضغط اجتماعي متصاعد. هذا الانتقاء لا يغيّر الحقيقة، لكنه يخلق صورة ذهنية مريحة تعيش داخلها النخبة الحاكمة.

التفكير هذا لا يبقى محصوراً في الداخل؛ فحين يُترجم إلى سياسة خارجية، يصبح عبئاً على الاستقرار الإقليمي، ووجع "في الرقبة" ويعني، عملياً، رفض الاعتراف بتوازن القوى، ما يضع الطرف الآخر أمام خيارين، إما قبول شروط غير واقعية، أو الاستمرار في المواجهة. وغالباً ما يكون الخيار الثاني هو الأقرب إلى التحقق.

هناك عنصر نفسي لا يمكن تجاهله. الأنظمة التي تبني شرعيتها على فكرة "الانتصار الدائم" تجد صعوبة في الاعتراف بالخسارة. لأن الاعتراف هنا لا يُقرأ كخطوة عقلانية، بل كتهديد للشرعية الداخلية. لذلك، يتم اللجوء إلى إعادة تعريف المفاهيم، الانسحاب يصبح "إعادة تموضع"، والخسارة تتحول إلى "نصر استراتيجي". هذا التلاعب المفاهيمي هو أحد مظاهر التفكير الأعوج.

في المقابل، التفكير الصحيح لا يعني الضعف. بل على العكس، هو شرط لمواجهة الواقع والبحث عن حلول. الدول التي تقرأ واقعها بوضوح تستطيع أن تعيد التموضع بذكاء. التاريخ مليء بأمثلة دول تراجعت خطوة لتتقدم خطوات، لأنها امتلكت شجاعة الاعتراف قبل شجاعة المواجهة. المسألة الإيرانية أنها تفقد المواجهة والمحاسبة، وهي ظاهرة ثقافية/سياسية ملازمة للدول الثورية!

في السياق الخليجي، يصبح هذا الفارق أكثر أهمية. التعامل مع طرف يفكر خارج المنطق التقليدي يتطلب مقاربة مزدوجة، صلابة في الدفاع عن المصالح، وواقعية في فهم سلوك الخصم. لا يكفي الرد على ما يُقال، بل يجب قراءة ما وراءه من الدوافع، لهذا يتوجب الاستعداد لخوض معركة رأي عام آتية.

كذلك فإنّ على المجتمع الدولي أن يدرك أن المشكلة ليست فقط في السياسات، بل في طريقة التفكير التي تنتج هذه السياسات، أي العقيدة السياسية التي أصبح التخلي عنها أشبه بفقدان جزء من الذات. الضغط السياسي أو الاقتصادي قد يحقق نتائج محدودة، وجب أن يترافق مع إدراك لطبيعة العقل الذي يتخذ القرار. هنا تبرز أهمية معرفة العقل السياسي الإيراني، ذي الطبيعة التي تعتمد على الأسطورة والعمل على تفكيكها.

بأي كلفة؟
لا يمكن لأي دولة أن تفاوض في واقع مأزوم إلى ما لا نهاية، وتضع افتراضات قد تحدث لدى الخصم ويمكن أن تغيّر المسار. الواقع يفرض نفسه، ولو بعد حين. السؤال ليس هل سيتغير هذا النمط من التفكير في إيران، بل متى وبأي كلفة. وكلما تأخر التصحيح، ارتفعت الفاتورة، على الشعوب الإيرانية والجوار والاقتصاد العالمي.

آخر الكلام: حين تغيّر المفاهيم لتخفي الواقع، لا يتغيّر الواقع، بل تتغيّر قدرتنا على رؤيته.

arabstoday

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

GMT 08:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السودان في مواجهة مخطط صناعة الدولة الفاشلة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تحولات المشهد في حوض الخليج العربي تحولات المشهد في حوض الخليج العربي



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 04:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا
 السعودية اليوم - الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon