بقلم: طارق الشناوي
فى أيام قليلة تابعنا خبرين، شاب مسيحى شارك فى مسابقة للعمرة، من أجل أن يكسب ويهديها لجارته المسلمة، كان قد لاحظ تعثرها فى الإجابة عن الأسئلة التى تحتاج إلى ثقافة معرفية وأيضا سرعة فى التعامل مع (جوجل)، نجح فى عبور الامتحان، وأهدى لجارته تذكرة العمرة، تابعنا أيضا المسيحية التى أشادت بجمال صوت شيخ الجامع وهو يؤذن لصلاة الفجر، كل من الشاب والفتاة يعتز بدينه المسيحى، ولكن لا يعنى ذلك أنه يناصب العداء لدين جيرانه.
إلقاء الضوء على الواقعتين له أيضا وجه آخر سلبى مع الأسف هذه المرة، لو كان التعامل معهما من مفردات السلوك الدائم، ما تحولا إلى خبرين تناقلتهما فى ثوانٍ وبكثافة (السوشيال ميديا).
مؤكد ليسا حدثين نادرين، لكن فى زمن نرى فيه تلك النظرة من الفرز الطائفى فى الشارع، وجدنا أنفسنا نلجأ إلى تذكير الناس بالبديهيات، تابعنا أيضا محاولة النيل من قدسية الديانة المسيحية، بين الحين والآخر نلحظ كلمة تتحول إلى خنجر مسموم، فى بلد سيطر على مفرداته فى السنوات الأخيرة الهوى السلفى، على اعتبار أنه يعبر عن صحيح الدين، رغم أنه الوجه المتعصب والشكلى فى الإسلام، لأنهم يغضون الطرف عن القلوب، وصار الحديث كله عن الوجوه، هؤلاء الذين يعتبرون النقاب واللحية هما صحيح الإسلام، دستورهم الدفاع عن كل ما هو شكلى، وكأنه عمق الإسلام، يبيحون لأنفسهم استخدام أسلحة البذاءة والسباب وهتك الأعراض، التى صارت عند البعض أسلحة ليست فقط مشروعة، بل شرعية، يباركها أيضا الدين، عن أى دين يتحدث هؤلاء؟!.
تضاءل على الجانب الآخر صوت التسامح الدينى، كان مثلا المخرج يوسف شاهين قبل أكثر من عشر سنوات من رحيله ٢٠٠٨، يرسم بخيال الفنان جنازته، ويحدد اللقطات وأحجامها، الجثمان يخرج من جامع عمر مكرم على صوت الشيخ محمد رفعت، كان يوسف شاهين أحد المتيمين بـ(صوت الجنة) محمد رفعت.
وهو ما كاد يؤدى إلى مأزق طائفى، يوم وداعه طبقا للطقوس (الكاثوليكية)، حيث طالب البعض، فى الكنيسة، بضرورة تطبيق وصيته، رغم أنها فى عمقها مجرد خيال فنى، لم تكن تعبر أبدا عن اعتناقه الإسلام، مكتب يوسف شاهين كان ولايزال يضم كل الأديان وفى أسرة يوسف شاهين نجد الزوج مسلما، بينما من يقف على باب الجامع وتتلقى العزاء زوجته المسيحية وأولاده مسلمون ومسيحيون.
وكأن يوسف شاهين يردد مع محمد منير بكلمات عبد الرحيم منصور (يهمنى الإنسان/ ولو مالوش عنوان)، هناك من يحاول اغتيال التسامح الدينى الذى ولدنا به بالفطرة.
حاولوا عند رحيل نجيب الريحانى ١٩٤٩ أن يفعلوا شيئا مماثلا، واستندوا أيضا إلى أنه كان من أصدقاء وسميعة الشيخ محمد رفعت، ووجدوا فى غرفة نومه عند رحيله المصحف والإنجيل.
هؤلاء المبدعون الكبار أدركوا أن المشترك بين كل الأديان هو الأصل، وأن فارق الطقوس لا يعنى فى عمقه إنكارا للدين الآخر.
كثر من المسيحيين لديهم حكايات مماثلة عن علاقتهم بالقرآن، والمصريون- المسلمون والأقباط- فى الثمانينيات أطلقوا على البابا شنودة الثالث (بابا العرب)، وعندما كان مسافرا لإحدى الدول الأوروبية مرتديا زيه الدينى، وطلبوا منه طبقا للإجراءات الأمنية أن يخلع زيه الكهنوتى، المسلمون ارتفع صوتهم بالغضب حبا وإكراما وإجلالا لـ(بابا العرب).
مصر التى تراها فى مولد السيدة العذراء، والكل يتبرك بها، هى فقط مصر الحقيقية، وما دون ذلك يتبخر فى لحظات!!