العدالة في سوريا مرتبطة بثقة المجتمع

العدالة في سوريا مرتبطة بثقة المجتمع!

العدالة في سوريا مرتبطة بثقة المجتمع!

 السعودية اليوم -

العدالة في سوريا مرتبطة بثقة المجتمع

هدى الحسيني
بقلم : هدى الحسيني

بعد نحو عامين على سقوط نظام بشار الأسد، بدأت سوريا تخطو أولى خطواتها في مسار طويل ومعقَّد لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات الحرب. وجاء الحكم الصادر غيابياً بإعدام الأسد وعدد من كبار مسؤولي نظامه ليحمل دلالة سياسية وقضائية مهمة، ولكنه أعاد أيضاً طرح أسئلة صعبة حول جدوى الأحكام التي لا يمكن تنفيذها، وحدود العدالة، وقدرة الدولة الجديدة على معالجة إرث يمتد إلى أكثر من خمسة عقود.

أدانت محكمة سورية الأسد بتهم شملت القتل العمد والتعذيب والحرمان من الحرية، واعتبرت هذه الأفعال جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وقد استقبل كثير من السوريين الحكم بارتياح، ورأوا فيه اعترافاً رسمياً بما تعرَّضوا له بعد سنوات طويلة، كان الحديث فيها عن محاسبة المسؤولين يبدو أمراً بعيد المنال.

لكن الحكم يبقى رمزياً في الوقت الراهن؛ لأن بشار الأسد يعيش في روسيا؛ حيث لجأ بعد انهيار نظامه أواخر عام 2024. ويرى مراقبون أن تسليمه إلى السلطات السورية أمر غير مرجح، بسبب علاقته الطويلة بموسكو، إضافة إلى وجود عقبات قانونية تتعلق بعقوبة الإعدام. كما أن عدداً من كبار المسؤولين السابقين غادروا البلاد، أو يختبئون في مناطق غير معروفة، ما يُصعِّب تنفيذ الأحكام الصادرة بحقهم.

الحكومة السورية الجديدة أعلنت تشكيل لجنة للتعاون مع الشرطة الجنائية الدولية، بهدف ملاحقة المطلوبين واستعادتهم من الخارج. إلا أن نجاح هذه الخطوة يتوقف على تعاون الدول التي يقيم فيها المتَّهمون، وعلى قدرة دمشق على تقديم ضمانات تتوافق مع القانون الدولي ومعايير المحاكمة العادلة.

بالنسبة إلى الضحايا، لا تقتصر العدالة على إصدار حكم بحق رأس النظام السابق أو عدد محدود من معاونيه. فسنوات الحرب تركت وراءها شبكة واسعة من المسؤوليات، تبدأ من أصحاب القرار، ولا تنتهي عند المحققين والسجانين والمخبرين الذين كتبوا تقارير تسببت في اعتقال أشخاص ونقلهم إلى مراكز احتجاز عُرفت بالتعذيب والقتل والقتل الجماعي لعائلات كاملة.

وتروي إحدى الناجيات من الهجوم الكيماوي على الغوطة الشرقية عام 2013، أنها لا تزال تتذكر صرخات المصابين، والشعور بالاختناق والحرقة في العينين. فقدت شقيقها، ودُمِّر منزلها والمركز النسائي الذي كانت تديره، ثم اضطرت إلى مغادرة مدينتها عام 2018. وهي تعود اليوم إلى المنطقة للمساهمة في إعادة بناء مركز جديد، ولكنها تواجه في كل زيارة آثار الدمار والذكريات التي لم تفارقها.

وتكشف الأرقام حجم المهمة المنتظرة. فحسب منظمات حقوقية سورية، قُتل خلال الحرب أكثر من 234 ألف مدني، بينهم ما يزيد على 202 ألف على أيدي قوات النظام السابق وحلفائه. كما سجلت نحو 181 ألف حالة اعتقال تعسفي أو اختفاء قسري، وأكثر من 45 ألف وفاة بسبب التعذيب، فضلاً عن توثيق 217 هجوماً كيماوياً نُسبت إلى النظام. ويعتقد حقوقيون أن الحصيلة الحقيقية أعلى بكثير.

ولا تعني العدالة المحاكمات الجنائية وحدها؛ بل تشمل أيضاً كشف مصير المفقودين، والتحقيق في الانتهاكات، وتعويض المتضررين، وإصلاح مؤسسات القضاء والأمن، ومنع تكرار الجرائم. ويشدد مراقبون على ضرورة وضع الضحايا في قلب هذه العملية، ليس فقط بصفتهم شهوداً؛ بل شركاء في تحديد الأولويات وآليات التعويض وحفظ الذاكرة.

لقد أنشأت السلطات السورية لجنتين لمعالجة هذا الملف، إحداهما للمفقودين أطلقت منصة تسمح للعائلات بتقديم المعلومات، والثانية للعدالة المطلوبة. غير أن عمل اللجنة الثانية اقتصر حتى الآن على جرائم النظام السابق، من دون أن يشمل بصورة واضحة الانتهاكات التي ارتكبتها الفصائل المسلحة ولا التنظيمات المتطرفة ولا أي جهة أخرى شاركت في الصراع.

وهنا تظهر ضرورة التوازن. فالمحاسبة الشاملة لا تعني المساواة بين حجم الجرائم ولا تجاهل مسؤولية النظام السابق عن الجزء الأكبر من الانتهاكات الموثقة، ولكنها تتطلب التحقيق في جرائم جميع الأطراف وفق معايير قانونية واحدة. وحصر العدالة بطرف واحد قد يضعف ثقة بعض السوريين بالعملية، ويحولها في نظرهم إلى أداة سياسية، بدلاً من أن تكون أساساً لمصالحة وطنية حقيقية.

كما تثير عقوبة الإعدام جدلاً بين السوريين. فبينما يعتبرها بعض الضحايا عقاباً عادلاً يتناسب مع حجم الجرائم، يرفضها مدافعون عن حقوق الإنسان من حيث المبدأ، ويدعون إلى محاكمات علنية ومستقلة تنتهي بعقوبات قانونية قابلة للتنفيذ. ويخشى هؤلاء أن تؤدي الأحكام القاسية الصادرة غيابياً -إذا لم تستند إلى إجراءات شفافة- إلى إضعاف القيمة القانونية للمحاسبة.

التحدي الآخر هو حماية الشهود والناجين. فالإدلاء بالشهادة قد يجبرهم على استعادة لحظات الخوف والفقدان، ولذلك يحتاجون إلى دعم نفسي وقانوني وأمني. كما ينبغي ألا تتحول معاناتهم إلى مادة سياسية أو إعلامية؛ بل إن تقابَل باعتراف رسمي وتعويض مناسب وضمان لمشاركتهم الطوعية.

ويحتاج هذا المسار كذلك إلى وقت وموارد وخبرات قضائية مستقلة؛ لأن ملايين الوثائق وشهادات الناجين والمقابر الجماعية تتطلب عملاً دقيقاً لا يحتمل التسرع. كما أن نجاحه يرتبط بقدرة السلطات على كسب ثقة المجتمع، وضمان عدم استخدام المحاكمات للانتقام ولا لتصفية الخصومات السياسية، مهما كانت الضغوط الشعبية أو تعاظمت مطالب الثأر.

تبقى محاكمة الأسد خطوة ذات وزن رمزي؛ لأنها أنهت مرحلة كان فيها الإفلات من العقاب يبدو أمراً ثابتاً. ولكنها ليست سوى بداية. فالعدالة الحقيقية ستقاس بقدرة سوريا على العثور على المفقودين، وفتح الأرشيف، وحماية الأدلة، ومحاسبة المسؤولين من جميع الأطراف، وإصلاح المؤسسات التي سمحت بوقوع الانتهاكات. ومن دون ذلك، سيظل الحكم عنواناً كبيراً لملف لم يُفتح كاملاً بعد.

 

arabstoday

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

GMT 08:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السودان في مواجهة مخطط صناعة الدولة الفاشلة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العدالة في سوريا مرتبطة بثقة المجتمع العدالة في سوريا مرتبطة بثقة المجتمع



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:52 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا
 السعودية اليوم - السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف

GMT 06:16 2012 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مستمرة بالتقدم رغم صعوبة كفاح السينما العربية

GMT 22:43 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2017

GMT 13:51 2017 الإثنين ,17 تموز / يوليو

فشل الارهاب و سقوط الاقنعة

GMT 17:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

فوائد زيت النعناع الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon