في أنّ السلام عمليّة وليس حدثاً ينجزه سحر ساحر

في أنّ السلام عمليّة وليس حدثاً ينجزه سحر ساحر

في أنّ السلام عمليّة وليس حدثاً ينجزه سحر ساحر

 السعودية اليوم -

في أنّ السلام عمليّة وليس حدثاً ينجزه سحر ساحر

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

يميل لبنانيّون إلى رفض كلّ سلام مع إسرائيل، الآن وغداً وبعد غد، وكائناً مَن كان حاكمها. ويميل لبنانيّون آخرون إلى سلام وتطبيع كاملين معها «الآن الآن وليس غداً»، وكائناً مَن كان حاكمها. وأغلب الظنّ أنّ هذا الميل بوجهيه، وجه تحويل البشر آلاتٍ تقاتل إسرائيل ووجه تحويلهم آلاتٍ مُتيّمة روبوتيّاً بها، إنّما تحرّكه، قبل أيّ مُحرّك، كراهية الجماعة الأهليّة للجماعة الأخرى والرغبة في إخضاعها.

لكنْ إذا كان أصحاب الرأي الأوّل يرون العالم مساحة للعداوة، والحربَ أداة حصريّة للتبادل بين البشر، فأصحاب الرأي الثاني ينسبون لأنفسهم قدرة على القول: كن فيكون، ظانّين أنّ التاريخ لم يكن قبلاً، وأنّه يتأسّس الآن على أيديهم.

وهكذا فمقابل أسوأ النزعات المحافظة، وهي التي تريد الحفاظ على «ثوابت» الحرب والعداء بوصفه «طبيعة إنسانيّة»، تنتصب أسوأ النزعات الثوريّة، وهي التي تريد أن تتغلّب على المشاعر، وعلى المألوف وتعقيد الواقع دفعة واحدة، وذلك بفعل حدث إراديّ غالباً ما يُناط بفرد أو ببضعة أفراد. موادعسكرية

والحال أنّ جذور هذا التفكير، الذي يتوهّم أصحابه قلب الأمور رأساً على عقب، قديمة وراسخة. فالعهد القديم مثلاً غالباً ما حدّثنا عن شخص واحدٍ استطاع بقوّة صلاحه أن ينقذ شعباً ويؤثّر على مصير جماعة. فبعد قصّة العجل الذهبيّ مثلاً، كان لتدخّل موسى أن حال دون فناء قوم بأكمله. وبحسب المسيحيّة، غيّرت قيامة المسيح العلاقة بين الله والبشريّة انتصاراً على الموت وتكفيراً عن الخطيئة. وبدورها رأت الميثولوجيا الإغريقيّة أنّ البشريّة حظيت بالتقنيّة والمعرفة بعد إقدام بروميثيوس على سرقة النار من الآلهة...

والحال أنّ كلّ انتقال كبير من حال إلى حال، بما فيه الانتقال من عداء جذريّ ومزمن إلى سلام شامل، هو عمليّة (process) إن نجحتْ تطوّرت مع الزمن إلى مراتب أعلى فأعلى. لكنّه حكماً ليس حدثاً أسطوريّاً يُنجز بـ«ضربة لازب». فنحن هنا لسنا أمام لحظة كالسقوط من الجنّة أو كخروج بني إسرائيل من مصر.

وتالياً، ليس بين عشيّة وضحاها تتحوّل العداوات المتأصّلة سلاماً وتطبيعاً تامّين، إذ المسار الأكثر شيوعاً في التجارب المعروفة يحكمه التدرّج والبناء على التراكم.

لهذا لم تغادر فرنسا وألمانيا عداءهما إلى السلام إلَّا عبر محطّات بدأت في 1951 مع قيام «المجموعة الأوروبيّة للفحم والصلب»، ثمّ معاهدة الإليزيه للصداقة والتعاون في 1963 بهدف «جعل الحرب غير واردة سياسيّاً ونفسيّاً». ولئن انتهت الحرب الأميركيّة – الفيتناميّة في 1975، لم تقم بين البلدين علاقات دبلوماسيّة إلَّا في 1995، ثمّ بدأ يتوسّع التبادل التجاريّ ويتدفّق الاستثمار. وبين إنهاء نظام الفصل العنصريّ في جنوب أفريقيا والمصالحة العامّة أجريت مفاوضات دستوريّة وانتخابات وأنشئت «لجنة الحقيقة والمصالحة» كما بُذلت جهود لتبديد المخاوف المتبادلة. وحتّى اليوم لا يزال «السلام البارد» يلازم كامب ديفيد المصريّة – الإسرائيليّة الموقّعة في 1979.

ولا يقال هذا بِنيّة اقتراح «موديل» مُلزم على المستقبل اللبنانيّ – الإسرائيليّ، لكنْ للمساهمة في وقف الزجل الاحتفاليّ المعوّل على سحر الساحر أو على كبسة الزرّ بوصفها مفتاحاً للتاريخ.

بطبيعة الحال هناك، في عمليّات كهذه، دور تلعبه مبادرات الأفراد والجماعات إبطاءً أو تسريعاً، كما يتدخّل التقدّم وتلاحُق الإنجازات اللذان يشدّان العمليّة إلى أمام، أو التعثّر وتبديد الإنجازات اللذان يشدّانها إلى وراء. وهناك شجاعة القادة أو تردّدهم، والاستعدادات والخلفيّات الثقافيّة لدى جماعة ما، وما إذا كانت مشجّعة أو مثبّطة... وفي الحالات التي نحن في صددها، سيكون من غير المنطقيّ، بل من غير الإنسانيّ، مطالبة لبنانيّين قُتل أهلهم وأحرقت بيوتهم وقراهم بالوقوع في غرام إسرائيليّين يقودهم نتنياهو وبن غفير. وبالمعنى ذاته سيصدّ إسرائيليّون من أهل ضحايا «طوفان الأقصى» طلباً مشابهاً في تسرّعه وخفّته. فكيف وأنّ مسألة الانسحاب، في حالة لبنان، لم تُحسم بعد على نحو واضح، فيما المحيط العربيّ الذي قد يقبل مبدأ السلام متحفّظ على مبدأ الهيام. تاريخ

فـ«أحبّوا بعضكم بعضاً» لن تكون فعّالة ولا ممكنة في أوضاع كهذه، ولبنانيّاً، لن يُترجم العداء المستحقّ لـ«حزب الله» صكّ براءة يُعطى للإسرائيليّين. وهنا أيضاً يزوّدنا التاريخ بعِبَر مفيدة. فثمّة تعبير وصفيّ شهير هو «الوقوع بين نارين» يصحّ في وضع بولندا بين روسيا وألمانيا، وفي حالة كوريا بين أميركا وكلّ من روسيا والصين، وفي نموذج أفغانستان إبّان «اللعبة الكبرى» بين بريطانيا وروسيا، وفي تجارب الكرد الذين عانوا ألم التمزّق بين القوى المجاورة المتصارعة، وطبعاً في تجارب اللبنانيّين... وفي هذه النماذج جميعاً قد تتلاقى مصلحة الطرف الضعيف مع مصلحة إحدى القوّتين الكبريين اللتين تمارسان تعنيفه. بيد أنّ «التحليل الموضوعيّ» والحساب البارد لا يعادلان بالضرورة الحالة الشعوريّة المنجرّة عن ضرر شخصيّ مباشر. وأغلب الظنّ أنّ ما ينطبق على الآلات الحاسبة لا ينطبق على البشر. فإذا فرض توازن القوى والاضطرارُ صمتاً هنا وتحمّلاً هناك، فإنّهما لا يفرضان الوقوع في عشق لا يُستجاب، يثير الشفقة على العاشق.

 

arabstoday

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

GMT 08:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السودان في مواجهة مخطط صناعة الدولة الفاشلة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في أنّ السلام عمليّة وليس حدثاً ينجزه سحر ساحر في أنّ السلام عمليّة وليس حدثاً ينجزه سحر ساحر



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 00:52 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا
 السعودية اليوم - السلطة الفلسطينية تعتقل متهمين بالتورط في بيع منازل بأريحا

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف

GMT 06:16 2012 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

مستمرة بالتقدم رغم صعوبة كفاح السينما العربية

GMT 22:43 2017 الأربعاء ,11 كانون الثاني / يناير

الطوق الذهبي أحدث صيحات أكسسوارات الشعر في 2017

GMT 13:51 2017 الإثنين ,17 تموز / يوليو

فشل الارهاب و سقوط الاقنعة

GMT 17:03 2021 الأربعاء ,17 شباط / فبراير

فوائد زيت النعناع الطبيعي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon