العلاقات المدنية العسكرية 22

العلاقات المدنية العسكرية (2-2)

العلاقات المدنية العسكرية (2-2)

 السعودية اليوم -

العلاقات المدنية العسكرية 22

عمار علي حسن

ولا يعنى الانحياز للحكم المدنى، الذى تثبت الأيام ضرورته، ورفض عسكرة المجال العام، نسيان أن الجيش، وقوامه الرئيسى من المجندين المدنيين، هو أحد أعمدة الدولة الحديثة فى مصر. فليس من قبيل المجاملة ولا المبالغة أن نقول إن محمد على بنى الدولة فى ركاب الجيش، إذ أدت احتياجات الأخير إلى قيام الرجل ببناء مؤسسات قامت على أكتافها الدولة الحديثة، فلكى يعالج الضباط والجنود بنى المستشفيات، وكى يعلمهم بنى المدارس، وكى يوفر لهم الغذاء والكساء، اهتم بالزراعة والصناعة.

وما فعله محمد على لم يكن جديداً على المجتمع المصرى فى تاريخه المديد، إذ إن الجيش منذ أيام الفراعنة قد لعب هذا الدور، ابتداء من تحرير مصر من الغزاة الساميين ثم توحيدها على يد «مينا»، وبعدها الحفاظ على تماسكها، وصناعة إمبراطورية مصرية صغيرة فى أيام القوة، كانت تمتد لتطوق بلاد الشام وتصل إلى قرب منابع النيل أو تذهب غرباً نحو برقة وطبرق أو فى الجنوب الشرقى تجاه الحجاز وعدن.

لهذا السبب لا يمكن من الناحية الموضوعية نكران هذا الدور التاريخى للقوات المسلحة فى الحفاظ على الدولة المصرية، لا سيما بعد أن أخذ الجيش طريقه إلى التمصير عقب ثورة 1919، الذى اكتمل تماماً بقيام ثورة يوليو 1952، التى تنص الدساتير التى أعقبتها، وحتى الآن، على أن «الجيش ملك الشعب» وتجعل «التجنيد إجبارياً» ليظل القوام الرئيسى للقوات المسلحة من المجندين المدنيين، ويظل جزء كبير من رجال مصر على قوته النظامية أو الاحتياطية، فضلاً عن أن ضباط الجيش وصف الضباط العاملين ينتمون إلى مختلف الطبقات والجهات والشرائح الاجتماعية، بما جعل الجيش متداخلاً فى الحياة الاجتماعية، أو جزءاً من النسيج الاجتماعى، على النقيض من جيوش بلدان أخرى لا سيما فى قرون مضت حيث كانوا إما مرتزقة أو مجموعات منفصلة تماماً فى طبقة مختلفة عن طبقات المجتمع. كما أن الجيش المصرى هو جيش الكل، وليس جيش طائقة ولا قبيلة مثلما هو قائم فى بعض البلدان، ولذا فإن ولاءه الأساسى للناس، وميله إليهم، ولا يستطيع أن يفعل غير هذا، لأن القيمة المركزية لديه هى «التماسك» ولو انحاز إلى السلطة ضد الشعب سيفقد هذه القيمة ويتفكك، ومن ثم لم يكن أمامه من خيار سوى الانحياز لإرادة الشعب فى ثورتى «يناير» و«يونيو».

وقد كتب كثيرون فى تحليل هذه المسألة أبحاثاً ودراسات عميقة سواء فى «علم التاريخ» أو «علم الاجتماع العسكرى» وبعض الأبحاث الخاصة بالنظم السياسية والأمن القومى والدراسات العسكرية، لعل أنصعها تلك التى كتبها المفكر المرموق د. أنور عبدالملك، والتى تمثل مرجعية مهمة فى هذا الموضوع. وكثير ممن ينتقدون توغل الجيش فى الحياة السياسية لا ينكرون هذا ولا يجهلونه، إنما يبدون حرصهم على عدم تعريض الجيش لألاعيب السياسة وتقلباتها، لما يمثله هذا من خطر داهم على البلاد، كما ينظر هؤلاء بروية وعمق إلى اختلاف الحياة المدنية عن الحياة العسكرية، فالأخيرة لها نظامها وقواعدها وتراتبها وطبيعة تفاعلاتها ومهامها المغايرة فى جوانب عديدة عن الحياة المدنية، كما أن التطور الديمقراطى فى العالم كله يميل إلى انتقال السلطة تدريجياً من عسكريين إلى مدنيين، وإن كان هذا لا يمنع عسكريين من تولى مناصب مدنية طبقاً لقواعدها، أو فى الوظائف التى تحتاج إلى خبراتهم، على أن تحدد هذا الاحتياجات المدنية، وليست سياسة المواءمات أو الترضيات، ومن دون أى استثناءات. وهناك مسألة تتعلق بميزانية الدفاع وطريقة إخضاعها لرقابة البرلمان أو جهة منبثقة عنه، وقراءتها كرقم واحد أو بالتفصيل، من دون إخلال بسريتها. وأعتقد أن هذا الأمر لا يزال يثير جدلاً لدى نخب سياسية وفكرية، ولا بد من إيجاد حل معقول ومناسب لإنهائه.

لكن الأخطر من هذا هو «عسكرة الجهاز الإدارى للدولة» رغم أنه جهاز مدنى، ولا يعود ذلك إلى رغبة الجيش أو إملاءاته، إنما هو اختيار طوعى انبثق عن اللوائح والقوانين والتشريعات التى تحكم عمل المؤسسات البيروقراطية أو شركات القطاعين العام والحكومى، والتى جعلت رئيس مجلس الإدارة يتصرف فى المؤسسة وكأنها وحدة عسكرية، فى إصدار القرارات، بل يتعداها إلى أن تكون «عزبة خاصة» كما يشاع فى الأدبيات الصحفية المصرية، فالوحدة العسكرية لها قواعد وتحكمها قوانين وتسودها حياة صارمة، لأن طبيعة مهمتها تتطلب هذا، أما انتقال هذه الروح إلى المؤسسات المدنية ليس فى الصرامة والتحكم الإيجابى إنما فى التحجر والجمود والتمسك الهائل بالفساد والفرز العسكرى للكفاءات، فهو لا شك مشكلة عميقة تحتاج إلى حل.

arabstoday

GMT 06:32 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية.. قدسية المكان وعواصف السياسة

GMT 09:04 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 09:02 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 09:00 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 08:59 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 08:57 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الذهول

GMT 08:56 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

والآن... تنكسر الموجة الترمبية

GMT 08:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تجنّد مصالحها في خدمة السلام!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العلاقات المدنية العسكرية 22 العلاقات المدنية العسكرية 22



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 11:12 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

صباحات عراقية

GMT 00:00 2016 الأحد ,03 تموز / يوليو

جلاش باليوسيفي والكريمة

GMT 05:58 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 06:35 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 07:42 2023 الثلاثاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

رسائل في كتاب من تاء الرحم إلى تاء العولمة

GMT 06:06 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 10:26 2020 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

أخطاؤك واضحة جدّا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 11:23 2021 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

"الاتصالات السعودية" تعلن عن وظائف شاغرة

GMT 23:02 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

جوردان سميث يتصدر بطولة الحسن الثاني للغولف
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon