لماذا لا يموت الفكر المتطرف

لماذا لا يموت الفكر المتطرف؟

لماذا لا يموت الفكر المتطرف؟

 السعودية اليوم -

لماذا لا يموت الفكر المتطرف

بقلم: د. آمال موسى

شكَّلت الجريمة الإرهابية الغادرة التي استهدفت كنيسة في محافظة الكرك صدمة مروعة للوجدان الأردني والعربي، فقد انتهك هذا الاعتداء الطابع المقدس لدور العبادة في محاولة لطعن قيم التعايش والوئام الدينيين.

ومما زاد في قوة الصدمة أن هذا الحادث الأليم الذي أودى بحياة أشخاص أبرياء، إنما يمثل العملية الأولى من نوعها تاريخياً في الأردن التي تستهدف دار عبادة مسيحية، ممّا يمنحه خصوصية صادمة في بلد تَميز بنموذج فريد من الاستقرار المجتمعي رغم حساسية موقعه الجغرافي السياسي. أما على مستوى العالم العربي، فإن الجريمة كما نعلم ليست فريدة تماماً، بل تأتي ضمن تاريخ حالك شهد محطات دموية سابقة في مصر والعراق وسوريا، إلا أن التمعن في كثافة التواتر والخط البياني لرصد الظاهرة كمياً ونوعياً يبيّن أن حدة هذه الهجمات الكبرى قد انخفضت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، حيث تحولت من عمليات انتحارية منسقة إلى ضربات متباعدة تتبع أسلوب الخلايا النائمة المنعزلة التي تبحث عن أهداف رخوة كنوع من الإعلان عن الوجود ومحاولة لتأكيد أن ما يُزعم حول تجفيف منابعها ليس صحيحاً. وبناءً عليه فإن أول استنتاج يمكن تبنيه هو أن الإرهاب بات يعرف تراجعاً تنظيمياً واضحاً على مستوى التنظيم وقوة الأهداف من دون تلاشي خطره الفعلي.

ولا يمكن فصل هذه الجريمة البشعة في أبعادها وسياقها السياسي عن استغلال التوترات الإقليمية الحادة والشحن الفكري الدولي؛ فبينما يعيش الشرق الأوسط حالة غليان عسكري وتوترات ومواجهات تركزت حول الحرب ضد إيران، حاولت الخلايا المتطرفة استغلال فرصة انشغال الدول بهذه الصراعات الكبرى وتوخي الغدر كعادتها لتنفيذ ضربات مباغتة للدولة وللمجتمع.

بالتوازي مع ذلك، توظّف الآلة الإعلامية للتنظيمات التكفيرية التصريحات الغربية المتشددة، للقيام بالتجنيد الرقمي، وغسل دماغ ذئابها المنفردة وأدلجتهم، لذلك فإن استهداف كنيسة مسيحية بمنزلة رد فعل مريض وانتقام واهم يسعى لإشعال فوضى طائفية مفتعلة داخل مجتمع آمن ومستقر ولا عهد له بمثل هذه الفتنة. وكما نلاحظ فإن المأزق بات يتجاوز الغلو في الدين إلى الفهم المغلوط تماماً للدين ولكيفية الدفاع الحق عن تعاليم الإسلام وقيمه. ومثل هذا الفهم الذي يؤدي إلى قتل الأبرياء هو المؤامرة الكبرى على الأمة العربية الإسلامية الذي من المهم مواجهته، مؤسسات ومجتمعات ونخباً.

من ناحية أخرى، فعندما تنجح أي دولة عربية مسلمة بمؤسساتها العسكرية والاستخباراتية في تحصين أجهزتها وبناء جدار أمني صلب يستعصي على الاختراق، يواجه الفكر المتطرف المأزوم طبيعةً، عجزاً بنيوياً يدفعه إلى تغيير أسلوب الغدر وهدفه حيث يتحول من مواجهة القوة النظامية إلى البحث عن «الانتصارات الوهمية» في الفضاءات الاجتماعية المفتوحة مثل دور العبادة أو المتاحف؛ مثل الهجوم الإرهابي على متحف باردو في مارس (آذار) 2015 الذي استهدف المتحف الوطني القريب من مبنى مجلس نواب الشعب في تونس العاصمة. وفي هذه المرحلة، تصبح التجمعات المدنية ودور العبادة الآمنة مسارح جرائم الذئاب المنفردة، إذ يعمدون إلى استغلال مرونة هذه الأهداف الرخوة وغياب التحصين الأمني فيها لإحداث أكبر قدر من الصدمة الدموية والصدى الإعلامي. وهنا تبرز معضلة «الذئاب المنفردة» في تلك المفارقة الصارخة بين هشاشتها التنظيمية وقدرتها على الغدر؛ فهي بنيوياً تمثل أضعف حلقات التطرف وأكثرها تشرذماً وعزلةً، لعجزها عن المواجهة أو اختراق المقرات الأمنية المحصنة. ومع ذلك، يكمن خطرها الداهم في استحالة التنبؤ بتحركاتها العشوائية، حيث تستهدف في غفلةٍ الأماكن الرخوة ودور العبادة الآمنة، متبنيةً أسلوباً غادراً لتثبت أن الضعف العسكري لا يمنع فكرة إحداث وجع في جسد السلم المجتمعي.

وتكمن ديمومة الفكر المتطرف وعصيانه على الموت في كونه ليس مجرد تنظيم عسكري يمكن تفكيكه، بل هو بنية معرفية مغلقة ونسق آيديولوجي يتغذى على الهشاشة الاقتصادية وتأزم الشعور الهوياتي. معرفياً، يملك هذا الفكر آلية دفاعية تُعرف في أدبيات الإرهاب بـ«الكمون التكتيكي» والقدرة على التحور الذاتي وإعادة إنتاج أطروحاته عبر التاريخ موظفاً كل أنواع الهشاشة القائمة في هذا العالم المتوتر. ولأن محركات هذا الفكر-مثل خطابات الكراهية، والشعور بالتهميش، والتوترات الجيوسياسية، والصدمات الحضارية- هي قوى متجددة بطبيعتها، فإن الهزيمة الجغرافية للتنظيمات لا تقتل الفكرة، بل تحوِّلها إلى «فكرة سائلة» تنتقل عبر الفضاء الرقمي، مما يفسر كيف ينام هذا الفكر في فترات الضغط الأمني ليستيقظ مجدداً كخلايا عنقودية أو ذئاب منفردة عند أول لقاء محرك من محركات هذا الفكر الظلامي مع غفلة يتم استثمارها لتسجيل هدف دموي.

المقاربة الأمنية أدت دورها جيداً في محاربة التنظيمات الإرهابية، أما الذئاب المنفردة فتحتاج منّا إلى صرامة مجتمعية أكبر وأكثر عمقاً وانتباهاً.

 

arabstoday

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيان من أربعة رجال

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف أصبحت البديهيات أخبارًا؟!

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

الاحتجاجات وصناديق الاقتراع

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حافة العوم

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

هل هناك شقوقٌ داخل بِناية إيران؟!

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أضرار نافعة ومنافع مخفية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا لا يموت الفكر المتطرف لماذا لا يموت الفكر المتطرف



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 04:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا
 السعودية اليوم - الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا

GMT 20:16 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أوروبا تواجه هجمات سيبرانية تستهدف الغذاء
 السعودية اليوم - أوروبا تواجه هجمات سيبرانية تستهدف الغذاء

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon