«أطباء» السوشيال ميديا

«أطباء» السوشيال ميديا

«أطباء» السوشيال ميديا

 السعودية اليوم -

«أطباء» السوشيال ميديا

آمال موسى
بقلم : د آمال موسى

وأنت تبحرُ في شبكات التّواصل الاجتماعي، ما بين الموجة والأخرى، لا بد من أن يظهر لك من يعرض نفسه على أساس كونه دكتوراً أو من ينتمي إلى عالم الطب من بعيد أو أدنى من ذلك، ليقدم لك وصفة طبية جاهزة من دون أن تدفع فلساً واحداً، ولكن قد تدفع ما هو أغلى بكثير من كل المال: صحتك.

نعم، شبكات التواصل الاجتماعي يمكن القول من دون مبالغة أو تحامل ورفض لمكتسبات تكنولوجيا التواصل الحديثة إنّها مرتع حقيقي للأشباه من كل المجالات يعيثون في شبكات التواصل الاجتماعي فساداً بنشر معلومات خاطئة وتضليلاً متعدد المضامين.

إننا فعلاً أمام شبكات إشكالية ومنتجة للمشكلات الكبرى وللأذى من دون أن تكون هناك آليات واضحة لحماية مستخدميها الذين يقدرون اليوم بالمليارات.

لا شك في أن هناك أصواتاً كثيرة تمارس النقد اللاذع لشبكات التواصل الاجتماعي، خصوصاً فيما يخص حملات التنمر والتمييز العنصري وهتك الأعراض وإظهار صور الأطفال الممنوعة قبل السن القانونية... ولكن قلة ينتبهون إلى كارثة فوضى المحتوى الطبي والمعلومات الصحية المضللة لغايات في نفوس فيالق كاملة ممن يدَّعون في الطب معرفة. فهل هناك شيء أخطر من الصحة حتى تكون شبكات التواصل الاجتماعي بوابة مفتوحة على مصراعيها للأخطاء الطبيّة ولنشر الوصفات الطبية الجاهزة على قارعة الـ«فيسبوك» وغيره من الشبكات؟

الشعار المرفوع من قبل مروجي المعلومات الطبية عبر هذه الشبكات يتمثل في نشر الوعي الصحيّ وخلق ثقافة صحيّة لدى عموم النّاس. وهذا في حد ذاته على المستوى النظري ليس خطأ، ولكن الخدمة المطروحة هنا ليست نفسية أو اجتماعية - من دون أن نقلل من أهمية تداعيات هذه الخدمات عندما تكون ضارة - أو تمرير قصص وتجارب وخبرات، بل خدمة في ظاهرها طبي علاجي، وهنا تكمن الخطورة. فلا شيء يضمن صدقية صفة الطبيب إلا إذا كان مشهوراً، وقلة من الأطباء المعروفين يتعاطون مع شبكات التواصل الاجتماعي، ومن يخوضون هذه التجربة لا غبار عليهم، وبعضهم كانوا رؤساء أقسام طبية وفعلاً يقدمون خدمة في مجال نشر الوعي، وهذه الفئة العالمة حقاً بالطب لا تقدم بالمرة وصفات طبية جاهزة، لأنها تعرف جيداً بحكم انتمائها الحقيقي لعلم الطب أن كل مريض إنما يمثل حالة خاصة، وله بالتالي وصفة دوائية خاصة تتماشى مع وضعه الصحي الخاص. فلا توجد وصفة واحدة لكل مرضى السكري أو ضغط الدم أو غيرهما من الأمراض المزمنة مثلاً.

في الواقع غير الافتراضي لا يمكن أن يفتح عيادة إلا حامل شهادة الطب وله خبرة مثبتة، في حين أن الوجود في شبكات التواصل الاجتماعي مفتوح وعشوائي وفوضوي، ولا رقيب ولا حراس لهذه البوابات الخطيرة من حيث الدور والتأثير والأذى الممكن.

وإذا حصل ووجدت ملاحظات حول المحتوى الطبي المضلل، فإن الأمر بالنسبة إلى منظمة الصحة العالمية لا يتعدى التحذيرات، ولم نفكر - رغم كل الجرائم الصحية عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي في وضع آليات ردع قانونية تحمي صحة النّاس وتحمي عمل الأطباء الحقيقيين من تداعيات هذه الفوضى الخارجة عن نطاقهم ولكنها تشوش على عملهم.

قد يرى البعض الحل في الوعي، ولكن هذه مسألة نسبية وفضفاضة في هذا السياق لأن 90 في المائة من الأمراض هي ناتجة عن قلة الوعي وضعف السيطرة على الشهوات. والرهان على الوعي الذاتي ضرب من التعجيز ورفع اليد عن صحة النّاس، خصوصاً أن حتى التقاضي لا يمكن إثبات مستنداته في هذه الحالات لأنها وصفات طبية لا تحمل اسم المريض، وكل من يعتمدها يتحمل مسؤوليته الخاصة.

لقد ابتكر الإنسان القوانين لتنظيم العلاقات وتحديد المسؤوليات وترك مجال شبكات التواصل الاجتماعي الذي يرتاده مليارات من المستخدمين والمستخدمات من دون قوانين تحمي النّاس في صحتهم الجسدية والنفسية، الأمر الذي يعد تراجعاً إنسانياً خطيراً، إذ وكأن بالبشرية تعود إلى ما قبل زمن القوانين والعقود الاجتماعيَّة، أي إلى زمن الطبيعة والحرية المطلقة التي لا تخلو من شر.

المشكل الثاني أننا لسنا أمام فوضى محتوى طبي ناتجة عن جهل وسوء استخدام من مروجي المعلومات الطبية الخاطئة، بل إن في الأمر نية تجارية واضحة من خلال التنافس الشرس بين مروجي هذه البضاعة الفاسدة، فتجد مثلاً من يروج للشوفان، وغيره يطلق صيحات الفزع حول أضرار الشوفان وأنه طعام للأحصنة ومضر لأمعاء الإنسان. أما الكورتيزون فقد أصبح بسبب شبكات التواصل الاجتماعي الموضوع الأبرز لدى مروجي هذه الإشاعات بين الشاتم للكورتيزون وغيره الشاكر لأفضاله على الصحة. والشيء نفسه بالنسبة إلى سوق المكملات الغذائية، فالحرب على أشدها بين من يقدم الوصفات وكم من حبة لازمة يومياً، وبين من يحذر من استعمالها وأنها من أخطر ما يمكن أن يقوم به الفرد لهلاك كليتيه.

نعتقد أنه كما نفعل مع مروجي المخدرات ونقبض عليهم ونضع لهم الأفخاخ لاصطيادهم... لا بد أيضاً من فعل شيءٍ ما رادعٍ يضع حداً لفوضى المحتوى الطبي ونقيضه في شبكات التواصل الاجتماعي.

arabstoday

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيان من أربعة رجال

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف أصبحت البديهيات أخبارًا؟!

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

الاحتجاجات وصناديق الاقتراع

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حافة العوم

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

هل هناك شقوقٌ داخل بِناية إيران؟!

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أضرار نافعة ومنافع مخفية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«أطباء» السوشيال ميديا «أطباء» السوشيال ميديا



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 04:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا
 السعودية اليوم - الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا

GMT 20:16 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أوروبا تواجه هجمات سيبرانية تستهدف الغذاء
 السعودية اليوم - أوروبا تواجه هجمات سيبرانية تستهدف الغذاء

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon