حملة صلاة النبي والفضاء العام

حملة صلاة النبي والفضاء العام

حملة صلاة النبي والفضاء العام

 السعودية اليوم -

حملة صلاة النبي والفضاء العام

خالد منتصر
بقلم : خالد منتصر

الصلاة على النبى شىء جميل وعظيم، وما دام يمنحك راحة نفسية، واطمئنانا وجوديا، افعله ولن يمنعك أحد، حتى فى البلاد العلمانية التى تهاجمها، وتصفها بالكفر، لكن متى ستمنعك هذه الدول، وتطبق عليك غرامة؟، حين تحول هذا النداء من همس بينك وبين نفسك، فى بيتك، أو فى سيارتك، أو فى سرك، إلى صراخ فى ميكروفون، وبشكل متكرر، يحول هذا النداء الإيمانى المطمئن الهادئ، إلى ضوضاء، ومصدر إزعاج للمواطنين فى ذلك البلد، هذا ما فعله مواطن مصرى من المحلة، بدأ فى توزيع الميكروفونات، والفلاشات التى عليها تكرار صيغة الصلاة على النبى، كل ٤ دقائق!، وعندما انتقدت أنا والبعض هذا السلوك والتصرف المقتحم، قامت قيامة الكثيرين، واتهمونا بالازدراء والكفر وإنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وهذا يدعونا للأسف لمناقشة مفاهيم بديهية المفروض أن تكون سارية فى نخاعنا وخلايا قشرتنا المخية التى تميزنا كبشر، لكن لأن القدر كتب علينا أن نبدأ دائما من أول مربع على الطاولة، لنخسر دوما فى لعبة السلم والثعبان الحضارية، نهبط مع الثعابين، ولا نصعد السلالم، أهم هذه المفاهيم فى الدولة المدنية العلمانية الحديثة، مفهوم الفضاء العام المشترك للجميع، ومفهوم المساحة الشخصية الخاصة للفرد، وكل منهما مفهوم غائب تماما عن الذهنية المصرية، ولنبدأ بالفضاء العام الذى لابد لكل منا أن يتعامل فيه بمنطق الشراكة لا الأنانية، يعد مفهوم الفضاء العام إحدى الركائز الأساسية فى بناء المجتمعات الحديثة، خصوصًا فى النماذج العلمانية التى تقوم على التعدد، والمواطنة، وحياد الدولة تجاه المعتقدات. ومع ذلك، يظل المفهوم ملتبسًا فى كثير من السياقات العربية، حيث تختلط الحدود بين ما هو خاص وما هو عام، وبين الإيمان الفردى والتنظيم الجماعى، الفضاء العام هو المجال الذى يلتقى فيه الأفراد بوصفهم مواطنين متساوين، لا بوصفهم أتباعًا لدين أو طائفة أو أيديولوجيا بعينها، وهو لا يقتصر على الأماكن المادية مثل الميادين والشوارع والبرلمانات، بل يشمل أيضًا: وسائل الإعلام، النقاشات العامة، الجامعات، ساحات التعبير المدنى والسياسى، فى هذا الفضاء، تُناقش القضايا المشتركة التى تمس المجتمع ككل: القوانين، السياسات العامة، الحقوق، الواجبات، والأخلاق المدنية، والميكروفون الذى يصرخ كل ٤ دقائق سواء بدعاء دينى، أو أغنية مهرجانات، هو اقتحام لهذا الفضاء العام، لكن لماذا يرتبط الفضاء العام بالعلمانية؟، لأن العلمانية، فى جوهرها، ليست موقفًا عدائيًا من الدين، بل إطار تنظيمى يضمن حرية الاعتقاد فى المجال الخاص، حياد الدولة فى المجال العام، صياغة القوانين بلغة عقلانية مشتركة، فى المجتمع العلمانى، يبقى الإيمان شأنًا شخصيًا محترمًا، لكن لا يتحول إلى مرجعية إلزامية تُفرض على الجميع، فالقاعدة الأساسية تصبح هى: ما لا يمكن تبريره بحجج عقلانية مشتركة، لا يجوز فرضه بالقانون، ماذا يعنى احترام الفضاء العام عمليًا؟، احترام الفضاء العام لا يعنى إسكات الأصوات، بل تنظيمها وفق قواعد تضمن المساواة، ويتجسد ذلك فى عدة مبادئ، منها عدم تحويل الفضاء العام إلى منبر دعوى قسرى، فالتعبير الدينى حق، لكن فرضه على الآخرين أو تحويله إلى وصاية أخلاقية يُعد انتهاكًا للمجال المشترك.

ضبط التعبير الأيديولوجى

يُسمح بالرأى، لا بالإكراه، وبالنقاش، لا بالتحريض أو التخوين، المساواة أمام القانون، لا يوجد ما هو فوق النقد، ولا هوية تُعطّل المساءلة أو الحوار، الالتزام بأخلاقيات النقاش، الحُجّة بدل الصراخ، والإقناع بدل فرض السلطة المعنوية، ومن المهم التمييز بين أمرين، حرية المعتقد واحتلال الفضاء المشترك، فالحرية الدينية تعنى أن تمارس معتقدك بحرية، دون اضطهاد، لكن احتلال الفضاء العام يعنى تحويل هذا المعتقد إلى قاعدة عامة ملزمة للجميع، الأولى تحمى التعدد، بينما الثانية تُلغيه، ماذا يحدث عندما يُنتهك الفضاء العام، وتختفى الحدود بين الخاص والعام، يتحول النقاش إلى صراع هويات، تُقمع الأقليات باسم «الأغلبية»، الفتوى تصبح بديل القانون، يختنق الإبداع والعقل النقدى، والنتيجة مجتمع متوتر، هش، قابل للانفجار عند أول أزمة، الفضاء العام ليس تفصيلًا تنظيميًا، بل شرط أساسى للعيش المشترك، والعلمانية كما كررنا دائما ليست نفيًا للإيمان، بل ضمانة للتعدد، وحماية لحق الجميع فى الاختلاف، فى الفضاء العام العلمانية لا تسأل الإنسان عمّا يؤمن به، بل عمّا يقدمه من حُجج وأفعال وسلوكيات صالحة للجميع، ونؤجل الكلام عن مفهوم المساحة الشخصية فى مقال قادم.

 

arabstoday

GMT 17:00 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

ظاهرة «العوضي» وهشاشة العقل المصري

GMT 16:56 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

رياح هادئة من سوريا

GMT 16:49 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

حياة الفهد... وحياة الذاكرة

GMT 16:47 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

الوسط المستحيل في لبنان

GMT 16:44 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

إشكاليات الأمن الإقليمي

GMT 16:42 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

خطأ ستارمر كشف أخطاء

GMT 16:40 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

لندن ـــ بكين... لا انفكاك من ثقافة الشاي و«الزن»

GMT 16:09 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

في «ذكرى العمدة» لعبة إخوانية مكشوفة!!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حملة صلاة النبي والفضاء العام حملة صلاة النبي والفضاء العام



تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق- السعودية اليوم

GMT 22:31 2013 الإثنين ,25 شباط / فبراير

"جيب شيروكي 2014" يظهر رسميًا في آذار

GMT 12:23 2019 الأربعاء ,22 أيار / مايو

الرئيس اللبناني يلتقي مسؤولاً أوكرانيًا

GMT 23:08 2019 الأحد ,06 كانون الثاني / يناير

وصفات طبيعية بدقيق الأرز لعلاج وتفتيح البشرة

GMT 19:36 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

4 أفكار لتقديم اللحوم والبيض لطفلكِ الرضيع

GMT 23:26 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

مواصلة تقديم الخضروات للطفل باستمرار يشجعه على تناولها

GMT 06:29 2019 الثلاثاء ,26 شباط / فبراير

معرفة تهور الأطفال والتعامل معهم بحذر

GMT 13:30 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

انطوائي ومتأخر في اتخاذ قرارته أبرز عيوب برج الجدي

GMT 14:36 2018 الخميس ,06 كانون الأول / ديسمبر

الفضة تفقد أكثر من 1% بفعل صعود الدولار وهبوط النحاس

GMT 16:08 2017 السبت ,16 كانون الأول / ديسمبر

مي كساب تشارك في فيلم "البدلة" مع تامر حسني

GMT 02:44 2020 الإثنين ,20 كانون الثاني / يناير

دولة أفريقية تتوعد رئيسها السابق حال عودته

GMT 20:51 2019 الثلاثاء ,24 كانون الأول / ديسمبر

"فيسبوك" تعمل جاهدةً على تطوير نظام التشغيل الخاص بها

GMT 16:42 2019 الجمعة ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

9.2 مليار دولار قيمة الموازنة العامة لسوريا في 2020
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon