ترومان شو والإنسان السلعة

ترومان شو والإنسان السلعة

ترومان شو والإنسان السلعة

 السعودية اليوم -

ترومان شو والإنسان السلعة

خالد منتصر
بقلم : خالد منتصر

الفن الجيد هو قارئ كف جيد، يرصد النبوءة فى الخيال، فتتحقق واقعًا، ليس لأن الفنان ساحر، لكن لأنه حساس، مثل فئران السفينة الذين يحسون بنذر الخطر قبل غرقها، مثل زرقاء اليمامة التى بالبصر والبصيرة شاهدت الأعداء على بعد أميال فأخبرت قبيلتها التى أدمنت المألوف والبديهى والمستقر، لذلك دائما أشاهد تلك القطع السينمائية المتفردة، مرات ومرات، وأنقب عن مجوهرات الفن السابع كل فترة لأشحن بطارية الخيال، وأقرأ المستقبل بعين الفنان المبدع، لا عين المنجم الفلكى، منذ يومين شاهدت فيلم «ترومان شو» للمرة الثالثة، وقت نزوله ١٩٩٨ قرأته على مستوى الرمز الفلسفى العام، لكنى هذه المرة شاهدت نبوءته المذهلة وهى تتحقق فى السوشيال ميديا أمامى، ونحن نتحول إلى سلع بشرية فى سوق نخاسة كبير بمساحة العالم، نحن لا نقرأ الفيس بوك بل هو الذى يقرأنا، نحن لا نتصفح جوجل بل هو الذى يتصفحنا ويعرينا ويقتحمنا، نحن لا نحمل الموبايل، لكنه هو الذى يحملنا نحن وأسرارنا فى داخله، يربطنا كما يربط الهيروين مدمنه، لن أتحدث عن الجوانب الفنية وعلى رأسها العصا السحرية التى حولت جيم كارى من الكوميديا التى تعتمد على حركات الجسد ومرونته إلى ممثل دراما فلسفية، يطرح مشاكل وجودية، لا تطرح إلا فى كتب الفلسفة، سيقتصر المقال على قراءة ما بين السطور، ما وراء الستار الظاهر، محاولة لعمل رنين مغناطيسى لنبوءة إبداعية ظهرت قبل الفيسبوك بست سنوات، وشرحت، وشّرحت تفاصيل استلابه لنا هو ورفاقه، وتحويلنا إلى سلع تجارية، ومانيكانات إعلانات تتنفس وتتناسل، ترومان بيربانك (جيم كارى) يعيش حياة تبدو مثالية فى مدينة جميلة اسمها سيهافن.

لكنه لا يعرف حقيقة صادمة، هو لا يعرف أنه منذ ولادته نجم برنامج تليفزيونى ضخم، وأن العالم كله يشاهده مباشرة دون أن يدرى!، مدينته ليست حقيقية، هى استوديو عملاق مغلق بقبة صناعية، كل من حوله، زوجته، أصدقاؤه، المارة.. ممثلون، كل تفصيلة فى حياته مكتوبة فى سيناريو، «كريستوف» هو المخرج الذى يدير حياته بالكامل ويستعمل كاميرات مخفية فى كل مكان، إنه إله حياته المصطنعة المزيفة، ترومان يبدأ يلاحظ إشارات غريبة، ضابط يناديه باسمه، سقوط مصباح إضاءة من السماء، صوت مذيعين يراقبون تحركاته، تكرار روتينى لنفس الأشخاص فى نفس الأماكن، وهنا يطرح السؤال الفلسفى الأساسى: هل حياتى حقيقية أم مجرد تمثيل؟، وتتوالى الأسئلة: كيف يمكن صنع «واقع» للإنسان بحيث يصدق ما يُقدَّم له، دون أن يخطر بباله الشك؟، هل يفضل الإنسان الحقيقة حتى لو كانت مؤلمة، أم يعيش فى الوهم المريح؟، يأتى الرد من المخرج كريستوف: «نحن نقبل العالم الذى يُقدَّم لنا»، ترومان يكسر حاجز الخوف ويبدأ فى السفر بالقارب، رغم أن كريستوف يصنع عاصفة ويرتفع بالموج ليقتله، لكنه ينجو بالإرادة، إرادة أن يكون نفسه، لا دمية فى يد قوى خفية، ترومان يهرب بالقارب رغم خوفه المرضى من الماء، ذلك الخوف الذى زُرع فيه منذ طفولته، هنا يقرر أن يواجه مصدر خوفه بدل أن يهرب منه، يصل إلى جدار السماء، فيكتشف السلالم التى تقوده إلى باب الخروج من العالم الكاذب، يسأله كريستوف بصوت جهورى من السماء: «أنا أعرفك أفضل من نفسك».

فيجيبه ترومان بابتسامة مطمئنة: «صباح الخير.. وإذا لم نراكم، فمساء الخير، وتصبحوا على خير»، ويبدأ فى محاولة الهروب من العالم المزيف، يواجه المطبخ الذى طبخ له الحقيقة المصنوعة، السرديات الملحة المحيطة بنا التى تصنع وعينا وتشكل هويتنا، الإعلام، السياسة، الدين، عادات وتقاليد المجتمع المتوارثة، كلها قد تصنع الواقع البديل للإنسان، أو ما نطلق عليه حديثا الواقع الافتراضى، الفيلم يعيد طرح سؤال سارتر الوجودى الصادم والذى يحملنا المسؤولية الجسيمة المؤلمة «الإنسان محكوم عليه أن يكون حرًا»، ويواجهنا بالحقيقة التى نهرب منها، وهى أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، عالم ترومان هو التجسيد السينمائى لكهف أفلاطون، الكهف هو الاستوديو، عالم ترومان المغلق مثل الكهف، مغلق بقبة تمنعه من رؤية الحقيقة، الظلال هى الحياة المصنوعة، الأحداث والمشاهد التى يراها ترومان منذ طفولته تشبه «الظلال» التى يعتقد السجناء أنها الحقيقة، الهروب هو بداية الحصول على نار المعرفة، ترومان عندما يكتشف أنه يعيش فى كذبة، يبدأ فى صعود «السلم»، تمامًا كما يصعد السجين إلى سطح الكهف، الخروج إلى الضوء بمثابة الوصول للحقيقة، خروج ترومان من الباب يشبه خروج السجين من الكهف إلى النور، كريستوف صانع الظلال، وخالق الديموقراطية المزيفة الذى يتحكم فى ما يراه السجناء، نحن فى زنزانة الواقع الافتراضى، مراقبون، حتى أنفاسنا معدودة علينا، ونحن ما زلنا نظن أن تلك هى الحقيقة، للأسف نحن فى الحقيقة مجرد سلع فى سوق الميديا.

arabstoday

GMT 20:37 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

لا يريدون

GMT 20:36 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

يجروننا إلى الخلف !

GMT 20:33 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

ميسي ويامال مؤامرات وأهوال

GMT 20:31 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

أين نحن الآن؟!

GMT 20:29 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

البُعد العدمي في السياسة الإيرانيّة

GMT 20:27 2026 الأحد ,19 تموز / يوليو

فتّش عن المرأتين

GMT 19:01 2026 الجمعة ,17 تموز / يوليو

لكن ما هو النظام القديم؟ أسطورة النهضة

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ترومان شو والإنسان السلعة ترومان شو والإنسان السلعة



هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت - السعودية اليوم

GMT 16:12 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 19:38 2020 الإثنين ,14 كانون الأول / ديسمبر

موديلات فساتين زفاف ريش لعروس2021
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon