من تصدير الفوضى إلى استيرادها

من تصدير الفوضى إلى استيرادها!

من تصدير الفوضى إلى استيرادها!

 السعودية اليوم -

من تصدير الفوضى إلى استيرادها

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

كتب الصديق مشاري الذايدي قبل أيام في هذه الجريدة أن من يريد فهم سلوك النظام الإيراني لا يكفي أن يحاكمه بمنطقه هو، بل عليه أن يحاول النظر إلى العالم بعين النظام نفسه. الفكرة بدت لي مفتاحاً لفهم جانب مهم من السياسة الإيرانية الحالية، لكنها قادتني أيضاً إلى سؤال آخر: ماذا يحدث عندما يخرج هذا العقل من حدود إيران، ويعاد إنتاجه في تنظيمات تدور في فلكها، مثل «حزب الله» اللبناني، أو الحوثي في اليمن، أو المجموعات الولائية في العراق؟ هنا تبدأ القصة الحقيقية الشائكة.

 

من ينظر إلى تلك المجموعات التي تسمى الأذرع قد يظن أنه أمام تجارب مختلفة فرضتها ظروف محلية متباينة. غير أن التدقيق يكشف أن البنية الفكرية واحدة تقريباً، وكذلك طريقة العمل، وحتى اللغة السياسية التي تُستخدم لتبرير بقاء السلاح خارج سلطة الدولة، وتعطيل الدولة الوطنية عن أداء مهماتها الطبيعية، فتبدو عاجزة ومشوّهة.

في لبنان يقال إن السلاح لن يُسلَّم قبل الانسحاب الكامل من الجنوب. وفي اليمن يربط الحوثيون مستقبل السلاح بإخضاع البلاد كلها لسلطتهم. وفي العراق يتكرر الحديث عن أن الجماعات المسلحة لن تتخلى عن سلاحها قبل خروج القوات الأجنبية... تبدو هذه شعارات مختلفة، لكنها تؤدي وظيفة واحدة، وهي تأجيل قيام الدولة إلى أجل غير معلوم، فحتى تلك الشروط إن تحققت، فلن تخضع تلك الجماعات إلى الدولة الوطنية؛ فهي وُجدت أصلاً لإلحاق الدولة بالمشروع الإيراني، فالهدف من وجود هذه الجماعات هو تفريغ الدولة العربية من مضمونها الحديث، ورهنها لقوة إقليمية توظفها لتحقق أهدافها في الهيمنة.

هذه الشروط ليست أهدافاً نهائية بقدر ما هي وسائل لإدامة الوضع القائم. فإذا تحقق شرط ظهر غيره، وإذا اختفى خصم برز خصم جديد... لذلك فإن من يظن أن المشكلة مرتبطة بسبب سياسي مؤقت، يقرأ الظاهرة من خارجها، لا من داخلها. فالسلاح في هذه البنية ليس وسيلة، بل هو مصدر الشرعية ذاته لأن تقوم قلة في المجتمع بالسيطرة عليه بعيداً عن الدولة، ومن ينتقده يُشيطَن، ويُتهم بأقبح التهم، ويمكن أن يصفَّى، حتى لو كان من نفس المجموعة.

لهذا لا تتعامل هذه التنظيمات مع التفاوض الذي تقوم به الدولة الوطنية بوصفه طريقاً لإنهاء الصراع، وإنما وسيلة لإدارته. قد تدخل في هدنة، أو تفاوض لزمن، أو تقبل تسوية جزئية... لكنها تتحاشى الوصول إلى لحظة تستعيد فيها الدولة احتكار القوة. عند تلك النقطة تصبح التسوية خطراً عليها؛ لأنها تعني نهاية الدور الذي أُنشئت لأجله، وليس لديها مانع في خوض حرب أهلية من أجل تثبيت الفرقة الدائمة في المجتمع الواحد.

لفترة طويلة كان الاعتقاد السائد أن القوى العسكرية في إيران تختلف عن هذه النماذج؛ لأن «الحرس الثوري» جزء من الدولة، وليس تنظيماً يعمل خارجها. لكن التطورات الأخيرة تدعو إلى إعادة النظر في هذا الافتراض. فالجدل الذي أثارته تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي، وما كشفه عن كواليس إدارة التفاوض وصنع القرار، ثم منع المقابلة والحد من تداولها على وسائل الإعلام الإيرانية، أعاد طرح سؤال لم يكن مطروحاً بهذه القوة من قبل: من يملك القرار النهائي داخل إيران؟ الحقيقة أن العسكر (الحرس الثوري) قد أصبح جزءاً مستقلاً؛ فقد أُنشئ كي يكون «حامي الثورة»، ولكن ظهرت له مصالح تتعارض مع الدولة، تصريحات الرئيس الإيراني وغيره من الشخصيات تؤكد ذلك الاتجاه. لذلك يسمع العالم الشيء ونقيضه بين فترة وأخرى قادماً من إيران! ولا يعرف أحد على وجه الدقة خلفية تلك التصريحات.

هذا السؤال لا يقل أهمية عن أي ملف تفاوضي. فإذا كانت الدولة تتفاوض، في حين توجد مراكز قوة أخرى قادرة على تغيير المسار أو تعطيله، فإننا نكون أمام صورة مألوفة في لبنان والعراق واليمن، لكنها تظهر هذه المرة داخل إيران نفسها. وهنا تكمن المفارقة؛ فالنموذج الذي ساهمت طهران في ترسيخه خارج حدودها، بدأ يفرض أسئلته عليها.

ليست القضية هنا الملف النووي، ولا العقوبات، ولا تفاصيل العلاقة مع واشنطن... تلك كلها ملفات مهمة، لكنها تبقى انعكاساً لمشكلة أعمق. أصل الأزمة هو قيام بنية آيديولوجية ترى نفسها أعلى من مؤسسات الدولة، وتمتلك من السلاح والموارد الاقتصادية ما يجعلها قادرة على فرض إرادتها، حتى عندما يكون للدولة مسار آخر.

لقد استطاعت هذه البنية أن تنشئ في أكثر من بلد ما يمكن تسميته «الدولة الموازية». لكن التاريخ يقول إن الدولة الموازية لا تبقى دائماً خارج الحدود التي أنشأتها؛ فهي تحمل منطقها معها أينما ذهبت، حتى إلى الدولة التي وُلدت فيها.

ربما كان أخطر ما في التجربة الإيرانية أنها صدّرت نموذج ازدواجية القرار إلى محيطها، فإذا بها تواجه السؤال نفسه داخل بيتها. الدول قد تستطيع تحمُّل العقوبات، وتجاوز الأزمات الاقتصادية، وحتى الصمود في الحروب. لكنها نادراً ما تنجو عندما يصبح القرار موزعاً بين رأسين، لكل منهما شرعيته وسلاحه وحساباته. عندئذ لا يكون الخطر الحقيقي في الخصوم، بل في الانقسام الذي ينمو داخل الدولة نفسها.

آخر الكلام: بعد أن تسكت المدافع، فمن أقرب الاحتمالات أن يشهد العالم نهاية المشروع!

arabstoday

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيان من أربعة رجال

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف أصبحت البديهيات أخبارًا؟!

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

الاحتجاجات وصناديق الاقتراع

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حافة العوم

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

هل هناك شقوقٌ داخل بِناية إيران؟!

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أضرار نافعة ومنافع مخفية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من تصدير الفوضى إلى استيرادها من تصدير الفوضى إلى استيرادها



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 04:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا
 السعودية اليوم - الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon