محنة النزعة البطوليّة عند العرب

محنة النزعة البطوليّة عند العرب

محنة النزعة البطوليّة عند العرب

 السعودية اليوم -

محنة النزعة البطوليّة عند العرب

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

في 1841 أصدر الكاتب والمؤرّخ الاسكوتلنديّ (1795-1881) توماس كارلايل كتاباً حظي بشهرة واسعة. وبحسب مؤيّدي الكتاب والمتأثّرين به، وعنوانه «عن الأبطال وعبادة البطل والبطوليّ في التاريخ»، يبني كارلايل «نظريّة الرجال العظام» الذين ينجم التاريخ عن أفعالهم الكبرى. وعبر ستّ محاضرات جُعلت ستّة فصول، طبّق المؤلّف رؤيته على عسكريّين وسياسيّين ككرومويل ونابوليون، وعلى أنبياء كالنبيّ محمّد، وإصلاحيّين كلوثر، وأدباء وشعراء كشكسبير ودانتي، ومفكّرين كروسّو. فالبطل، في عرفه، هو الذي يحترم قوانين الطبيعة ويعيش بموجبها بكلّ ما أوتي من قدرة على الصدق. وهو كان ناقداً لـ«التنوير»، رأى أنّه يفصل المرء عن «طبيعته»، وكان من حججه أنّ الأبطال ليسوا مجرّد نتاجات لظروفهم، بل أفراد يمتلكون صفات استثنائيّة تمكّنهم من تجاوز بيئتهم التي انطلقوا منهم لممارسة تأثيرهم على التاريخ.

لكنّ كارلايل يقول أمرين يعنيان العرب في تجربتهم مع هذا المفهوم. فهو يرفض التصوّر القائل إنّ الأبطال أشخاص سلبيّون تشكّلهم قوى خارجيّة عنهم، ليؤكّد على دورهم وطاقتهم على التأثير. فهم الذين يفرضون مشيئتهم على العالم، ما يدفع المحيطين بهم إلى الالتفاف حولهم. وهو، من جهة أخرى، لا ينكر أهميّة الأسطرة والخرافة في تشكيل سرديّة البطولة، إلاّ أنّه يصرّ على أنّ البطوليّة الحقّة تتجذّر في أعمال ملموسة وفي إنجازات صلبة. فالكاتب، وإنّ عُدّ رومنطيقيّاً متتلمذاً على المدرسة الرومنطيقيّة الألمانيّة، أفرد للإنجاز والإنجازيّة قيمة لا يُمارى فيها كمعيار تتحدّد البطولة والبطوليّ بموجبه.

ومثل الشعوب كلّها، وربّما أكثر من معظمها، طوّر العرب نزعة بطوليّة تجد مصادرها في الدين كما في الحرب والسياسة والشعر.

وفي 1994 صدر للكاتب اللبنانيّ قدري قلعجي، وكانت انقضت ثماني سنوات على رحيله، كتاب حمل عنوان «ثمانية من أبطال العرب»، حيث يعرّف بالتالية أسماؤهم ويؤرّخ لهم: يوسف العظمة وعمر المختار وعبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطّابي وعبد القادر الحسيني وعبد الكريم الخليل وحسن الخرّاط وسعيد العاص ممّن «رفعوا راية العروبة في سماء العالم».

لكنّ المدهش أنّ الثمانية، ممّن تستحقّ تضحياتهم التكريم، قُتل أكثرهم، وهُزموا جميعاً دون أن ينجزوا شيئاً من الأهداف التي أرادوا إنجازها. فالعظمة قضى في معركة ميسلون، صيف 1920، ولم ينجح في الحؤول دون استيلاء الجيش الفرنسيّ على سوريّة. والمختار، أو «أسد الصحراء»، اعتقله الليبيّون الذين حاربهم ثمّ أعدموه في 1931. والجزائريّ أسره الفرنسيّون الذين قاومهم ونفوه في 1855 إلى دمشق حيث توفّي. والخطّابي انهارت «جمهوريّة الريف» التي أقامها كما انهارت مقاومته للفرنسيّين والإسبان في 1926، فنفاه الأوّلون إلى جزيرة لا ريونيون في المحيط الهنديّ، ومنها انتقل إلى القاهرة حيث قضى نحبه. والحسيني، أو «أسد القدس»، قاد «جيش الجهاد المقدّس» وقضى في معركة القسطل ضدّ المليشيات الصهيونيّة في 1948. والخليل أعدمه جمال باشا، الملقّب بـ«السفّاح»، في 1915. والخرّاط قتله كمين فرنسيّ في الغوطة عام 1925. والعاص قُتل في معركة الخضر في فلسطين عام 1936.

ولا شكّ أنّ كتّاباً ومؤرّخين، يفكّرون كما فكّر قدري قلعجي، أضافوا أسماء عاش أصحابها في عقود لاحقة، كجمال عبد الناصر وصدّام حسين ويحيى السنوار وحسن نصر الله، لكنّ النهايات التي انتهى إليها هؤلاء لا تختلف عن نهايات سابقيهم. ولئن كان عبد الناصر الوحيد فيهم الذي توفّي وفاة طبيعيّة، فالمؤكّد أنّ الهزيمة الكبرى التي تعرّض لها قبل ثلاث سنوات على رحيله كانت قد تركت عليه آثاراً يصعب التغافل عنها. لقد غادر الزعيم المصريّ عالمنا عن 52 عاماً.

وأمام هذه المصائر المتكرّرة على نحو يكاد يجعلها قانوناً، تبدو تجارب «البطل» في أزمنتنا الحديثة غريبة تماماً عنها في الأزمنة القديمة، السابقة على الحداثة. فالخلفاء الراشدون أو قادة عسكريّون كخالد بن الوليد وطارق بن زياد وصلاح الدين الأيّوبيّ...، ارتبطت بطولتهم بانتصارات حقّقوها وأراضٍ نجحوا في فتحها أو الدفاع عنها أو طرد عدوّ منها.

وهذا التباين يُظهر، بين ما يُظهره، أنّ البطولة، بوصفها فعلاً إنجازيّاً يتمّ من خلال القتال، صارت مستحيلة تماماً في الزمن الحديث، أسُمّيت مقاومة أو غير ذلك، إذ الفوارق العسكريّة والتقنيّة والتنظيميّة لم تغدُ هائلة فحسب، بل راحت تتعاظم بإيقاع يوميّ، فيما يتواصل تعاظمها.

وهذا ما قد يساهم في تفسير الاقتران الشائع بين «البطولة» و«الشهادة»، بعدما كانت «البطولة» تقترن، في الأزمنة القديمة، بـ«الانتصار».

لكنّ واقعاً مؤلماً كهذا يحمل مَن يريد أن يتأمّل ويستنتج، بعيداً من الكليشيهات، على التأمّل والاستنتاج. ففي زمن الحداثة يُستحسن بالعرب ألاّ يراهنوا على القوّة وسيلةً للإنجاز، أو للبطوليّة باللغة الكارلايليّة. فإذا كان لا بدّ من البحث عن أبطال، وجب البحث عنهم في غير ساحات القتال والمقاومات. ذاك أنّ الثقافة السياسيّة السائدة، كما عبّر عنها قلعجي وآخرون كثيرون، إنّما تقود عمليّاً إلى تعادل بين الشهادة والانتصار، تصير معه الشهادة هي إيّاها الإنجاز. وهذه نظرة كئيبة وكالحة إلى الذات والعالم.

arabstoday

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيان من أربعة رجال

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف أصبحت البديهيات أخبارًا؟!

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

الاحتجاجات وصناديق الاقتراع

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حافة العوم

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

هل هناك شقوقٌ داخل بِناية إيران؟!

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أضرار نافعة ومنافع مخفية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

محنة النزعة البطوليّة عند العرب محنة النزعة البطوليّة عند العرب



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 04:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا
 السعودية اليوم - الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon