أيّ مستقبل مع إسرائيل

أيّ مستقبل مع إسرائيل؟

أيّ مستقبل مع إسرائيل؟

 السعودية اليوم -

أيّ مستقبل مع إسرائيل

حازم صاغية
بقلم : حازم صاغية

في 1990، بُعيد غزو الكويت، فرض القرار الأمميّ 661 حظراً دوليّاً شاملاً على عراق صدّام حسين. هكذا مُنع على بلاد الرافدين الاستيراد، وتصدير النفط، وهو مصدر دخلها الرئيس، كما فُرضت عليها قيود ماليّة وتجاريّة.

وكان للقرار هذا أن أضاف إلى استبداد صدّام بشعبه، وهو من طراز فريد، إفقار هذا الشعب، وتدمير طبقته الوسطى. لكنْ في 2003 قرّرت واشنطن غزو العراق، وقالت إنّ غزوها مقدّمةٌ لبناء نموذج ديمقراطيّ فيه. بيد أنّ الديمقراطيّة، التي تبنيها طبقة وسطى، لم تجد في العراق طبقة وسطى تبنيها.

بطبيعة الحال لا تُلخَّص نواقص الشروط الديمقراطيّة في ذاك البلد بالعقوبات الجائرة. غير أنّ الأخيرة نموذج عن سياسة تساهم في تقويض شروط المستقبل الذي تعِد به، أو على الأقلّ تزعم ذلك.

وهذه السياسة، إذا صحّ فيها وصف «سياسة»، مفادها أقصى العنف والقسوة اللذين يعاقبان الضحايا جماعيّاً، وهو ما تُمليه ردّة فعل عصبيّة وبدائيّة لا مكان معها لحساب الغد، أو لحياة مشتركة مع عدوّ اليوم. وهذا بالضبط ما تفعله إسرائيل في حربها على النفوذ الإيرانيّ في المنطقة.

والحال أنّ مُوقّع هذه الأسطر ليس بحاجة إلى البرهنة على تسليمه بضرورة التخلّص من النفوذ المذكور في سائر امتداداته، لا سيّما «حزب الله» اللبنانيّ. لكنّ العداوة المطلقة التي تودي بكلّ شيء في طريقها، وتترك وراءها كلّ شيء قاعاً صفصفاً، إنّما تدمّر المساحة التي ينهض عليها المستقبل وتنهض السياسة. فهل يتخيّل الإسرائيليّون أنّهم سوف «يكسبون قلوب وعقول» أصحاب البيوت التي هُدّمت وجُرّفت، والمدن والبلدات التي سُوّيت بالأرض؟ أو أنّهم سوف يقيمون بالفعل سلاماً مع دول نُزعت عنها، بقوّة العنف المحض، كلّ قوّة وكلّ شرعيّة أو صدقيّة؟

صحيح أنّ الاضطرار يدفع الكثيرين اليوم إلى تأييد التفاوض المباشر، وإلى إجراءات ومواقف مشابهة لم يعد منها بدّ. إلاّ أنّ العنف قد ينجح في فرض الاضطرار، وفي جعله خيار الضرورة الأوحد، لكنّه لا ينجح في الارتقاء به بما يجعله خياراً حرّاً تُبنى عليه منطقة مسالمة تطرد الكراهية.

وفي معرض التفسير، لا التبرير، يمكن التوقّف عند أسباب دفعت الإسرائيليّين إلى هذه السويّة من التوحّش الإباديّ:

فهناك أوّلاً، وهو السبب المباشر، عمليّة 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لا سيّما وقد رافقها قدر غير قليل من التهليل والتمجيد. فالعمليّة، وهي لم تحصل في الأراضي التي شملها القرار 242، أقنعت أكثريّة إسرائيليّة كبرى بأنّ بلدان الجوار لا تملك تجاهها إلاّ نيّة إباديّة يمنعها ضعف القدرة وحده من أن تغدو إبادة. فمتى أضفنا «وحدة الساحات» وحربي الإسناد (وبعدهما تحدّثنا عن «عدوان إسرائيليّ على لبنان»!)، تأكّدت الافتراضات الأسوأ.

هكذا، وبحسب الإسرائيليّين، لا يتبقّى في مواجهة النيّة الإباديّة سوى تدمير شروط الحياة في بلدان الجوار ضماناً للحماية الذاتيّة، فيما تتقلّص كلّ رغبة في السلام والتفكير بمستقبل جامع مع ذاك الجوار.

أمّا ثانياً، وهو ما يعزّز المشاعر التي أطلقتها عملية 7 أكتوبر، فيتعلّق بمبدأ الاعتراف، أي الإقرار بالوجود أو نفيه كإعدام معنويّ. فحتّى اتّفاقيّة أوسلو في 1993 كان الإسرائيليّون لا يعترفون بشعب فلسطينيّ، والعرب، باستثناء الدولة المصريّة، لا يعترفون بإسرائيل. ومع أوسلو، اعترفت إسرائيل بمنظّمة التحرير بصفتها «ممثّلة الشعب الفلسطينيّ»، وفق «رسائل الاعتراف» المتبادلة بين ياسر عرفات واسحق رابين. بعد ذاك، كانت معاهدة وادي عربة الإسرائيليّة - الأردنيّة، ولاحقاً الاتّفاقيّات الابراهيميّة. لكنّ الاعتراف بمعناه الأعمق، الشعبيّ والثقافيّ، لم يحصل، وهو ما ساهمت فيه جهود إيران وسوريّا الأسد والفصائل التابعة لهما، والأدبيّات التي ساهمتا في نشرها وترويجها.

وإذ بقي السلام «بارداً» حيث هناك سلام، ظلّ التجريم والتخوين يحاصران التطبيع، وظلّت تعابير «الكيان المزعوم» وما شابهها، تعيد إلى الأذهان الشعار التاريخيّ عن «تحرير فلسطين» والذي، إذا ترجمناه إلى دم، عادلَ مئات آلاف القتلى. أمّا صفة «الكيان الكولونياليّ الاستيطانيّ» فلم تفعل سوى تحكيم الماضي بالمستقبل واستبعاد السياسة لصالح جوهر ماهويّ عاطل لا يغيّره مُغيِّر.

ومن الأسباب أيضاً أنّ الدول العربيّة المعنيّة، وخصوصاً لبنان، أبدت ما يكفي من العجز عن ضبط أعمال عنفيّة تتعدّى الحدود وتهدّد أمن الجوار، ما يشهد عليه تاريخ يبدأ في الستينات و«اتّفاق القاهرة»، ليبلغ أوجه مع «حزب الله» وتحوّله دويلة أقوى من الدولة.

هكذا اندفعت إسرائيل من الدفاع عن النفس، بعد عملية 7 أكتوبر، إلى سياسات التوحّش، مطمئنّة إلى انزياح يمينيّ متعاظم عرفه مجتمعها في العقود الأخيرة، ولم نكن أبرياء في التسبّب به.

وقد تخرج إسرائيل منتصرة من هذه الدهاليز الدمويّة. لكنْ في التاريخ يُضرب المثل بجنكيز خان في القرن الثالث عشر، والذي دمّر مدناً مهمّة في آسيا الوسطى، كنيسابور ومرو، وخرّب فيها الزراعة وأنظمة الريّ، ثمّ جلس منتصراً على لا شيء ولا أحد.

هذا البؤس قد يكون مستقبلنا جميعاً في هذه المنطقة التعيسة.

 

arabstoday

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيان من أربعة رجال

GMT 08:21 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

كيف أصبحت البديهيات أخبارًا؟!

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

الاحتجاجات وصناديق الاقتراع

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 08:10 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

إلى أين نحن ذاهبون؟!

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

حافة العوم

GMT 07:59 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

هل هناك شقوقٌ داخل بِناية إيران؟!

GMT 07:57 2026 الأربعاء ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

أضرار نافعة ومنافع مخفية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أيّ مستقبل مع إسرائيل أيّ مستقبل مع إسرائيل



البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد ـ السعودية اليوم

GMT 04:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا
 السعودية اليوم - الرئيس الأوكراني يمنح ميلانيا ترامب وسام الأميرة أولغا

GMT 06:21 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا
 السعودية اليوم - هجوم سيبراني يستهدف أنظمة تبريد بنوك الدم في فرنسا

GMT 15:42 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل الخميس 7 يناير/كانون الثاني 2021

GMT 06:04 2025 الجمعة ,05 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 سبتمبر/ أيلول 2025

GMT 15:25 2020 الأحد ,01 آذار/ مارس

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 16:07 2018 الأربعاء ,20 حزيران / يونيو

"إعادة التدوير" شكل مُتقدّم لفساد دولة الرئيس

GMT 15:30 2018 الثلاثاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

فيديو ساخر يثير غضب جمهور النصر السعودي

GMT 07:35 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أبرز توقعات ميشال حايك للعام 2014

GMT 04:27 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

المغنية كاتي بيري تبدو مثيرة في فستان فضي

GMT 18:36 2023 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ياسمين عبد العزيز تدين جرائم الاحتلال ضد أهالي غزة

GMT 01:38 2018 الأحد ,03 حزيران / يونيو

تلاحظ أنك أكثر انفتاحًا من ذي قبل

GMT 07:37 2018 الخميس ,11 كانون الثاني / يناير

ما هي أفضل الطرق للدراسة المكثفة قبل الامتحان؟

GMT 02:32 2012 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع مؤشر أبوظبي 1.20%خلال الأسبوع الماضي

GMT 06:18 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

حسناً أنهم ماتوا باكراً
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
alsaudiatoday alsaudiatoday alsaudiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon.
lebanon, lebanon, lebanon